أمل / ESPOIR #1 : Parce qu’on a besoin d’Espoir …

أمل / Espoir est une feuille de critique littéraire et politique, réalisée par des compagnons anarchistes des deux côtés de la Méditerranée, bilingue arabe / français.

Au menu de la première tranche d’Espoir :

– Parce qu’on a besoin d’espoir ! – Aimez-vous en vous-même (poème d’Hana, ar/fr)

– LE MARTEAU CORONA ET L’ENCLUME DE LA FAIM (À propos de la vie des immigrants illégaux) ar/fr

– CONSEILS DE HONG KONG: PARTAGE D’EXPERIENCE ANTI-EPIDEMIQUE AVEC DES AMIS D’AUTRES REGIONS

– EN COREE, LA POPULATION S’ORGANISE SANS AVOIR BESOIN AU RECOURS DE L’ETAT NI DE LA POLICE POUR FAIRE RESPECTER LES MESURES DE SANTE PUBLIQUE

– TUNISIE, INTERDIT DE REVER …

– LIBERTE POUR LES PRISONNIERS D’OPINION EN IRAN suivi d’un poème de Soheil ARABI  : L’ANARCHISME C’EST S’ENVOLER POUR TOUJOURS

– Tu t’es réjoui de ma souffrance? (poème de Ridha naghmouchi)

– Muhammad Shukri et la malédiction du pain aux pieds nus (ar)

Espoir … Jamais ce mot n’aura semblé plus incongru qu’aujourd’hui alors qu’un cycle de catastrophe semble s’être déclenché partout dans le monde et que rien ne semble pouvoir l’arrêter : guerres, misère, famines, haines religieuses et sectaires, réchauffement climatique, effondrement de la biodiversité, intelligence artificielle et commercialisation de la Vie et des corps, et maintenant la pandémie de Coronavirus !

Pourtant jamais l’espoir n’a été autant nécessaire à l’humanité. Le terme chinois pour crise est composé de deux caractères : Le premier, 危 (wei), représente le chaos, le danger. Le second 机(ji) représente l’opportunité à saisir que créé cette nouvelle situation. Il signifie que face à une crise, nous avons toujours le choix de comment nous allons en sortir : soit nous enfoncer dans le chaos, c’est-à-dire continuer comme avant … soit enfin décider de rompre avec ce qui a causé la catastrophe, c’est dire rompre avec l’égoïsme et a méchanceté, rompre avec les classification hiérarchique et l’autoritarisme, et bâtir un monde plus juste, plus solidaire, plus égalitaire, plus libertaire. Redevenir humains !

Les gestes de solidarité qui se sont exprimés partout, dans tous les pays, spontanément, pour faire face à la pandémie nous montrent que l’Humanité n’est pas morte, qu’il y a encore de l’Espoir. Nous souhaitons y contribuer par notre petite feuille sans prétention.
Si l’aventure vous tente, rejoignez-nous, toutes les bonnes volontés sont les bienvenues !

Les compagnons d’Espoirs

النقابية-اللاسلطوية : تقنيات المصارعة

على امتداد تاريخ كفاحهم بشتى اقطار العالم ، جرب العمال في سعيهم الى اجبار خصومهم الطبقيين على تلبية مطالبهم، باختلاف نوعها ومستوياتها، أشكال نضال متباينة. يقدم المقال التالي تأملات حول النضال النقابي، نقدمها للمناضلين والمناضلات لغاية الاستئناس وحفز النقاش، لا وصفة مقطوعة عن ظروف النضال الملموسة، بل وسيلة لكسر الروتين السائد في أشكال النضال وانعدام أي نقاش لها. فلا غنى عن هذا النقاش لابطال إمكان تلاعب البيروقراطيين بنضالات العمال والعاملات.

ما يلي تذكير وحفز الى اكتشاف او تعميم تقنيات النضال النقابي، لان كل معركة تقتضي الانطلاق من بعض الأفكار الأساسية أن نوجه للخصم من الضربات اكثر مما قد يصيبنا منه، لا بل تصويب ضربات اليه يعجز عن ردها. تحليل ميزان القوى، كم نحن عدديا. اثر التعاطف او النفور من النضال من قبل العمال الآخرين، ومن قبل السكان.

AIT_AR-EN-FR

الاكراهات المالية، أي الوسائل المالية لمواصلة النضال. تفادي إنهاك القوى، فالنضالات القاسية من البداية قد تكون ضعفا: يخطط أرباب العمل، في تسييرهم، هذا النوع من الآثار المشتتة: إنتاج قابل للترحيل، استئناف العمل في أماكن أخرى، المخزون، كاسرو الإضراب، العمل بالإنابة temporary work / intérim (1)، احتياطات مالية، الخ.

معرفة وقف معركة، تفادي القصوية / (2)die-hard / le jusqu’au-boutisme عندما نكون في وضع ليست في صالحنا. فمواصلة اعتصام أقلية بالمنشاة يفضي الى منح رب العمل مستائيتن يتلاعب بهم ضد المضربين. كما خسائر الأجور تبلغ مستوى استعصاء استئناف المعركة.

تهييء حلول تراجع ونضال ومطالب. تحليل تاريخ واستراتيجية واهداف القوى المتواجهة: البرجوازية /العمال ( رب عمل متشدد او معتدل، اجراء ذوي حس مطلبي او معدوميه)، منظمات النضال( نقابات رخوة او جذرية، وهل تستفيد النضالات من تجارب مستقلة،الخ)

تتحدد النضالات بفئة الأجراء المعنية أوبمداها الترابي او بمضمونها. فئات الأجراء: نضالات عمال مختصين، عمال مؤهلين، عمال بريد او ممرضات، طاقم إداري بالتعليم أو مدرسون،الخ. تسمى نضالات فئوية. ان شمل النضال كافة عمال منشأة او مؤسسة وكان من اجل مطالب تخص مجموع الأجراء ، كان النضال بيفئويا(مشتركا بين فئات) . المدى الترابي: ان كان النضال داخل مؤسسة واحدة، يكون نضالا على مستوى الموقع. مثلا إضراب المركز الاستشفائي الجامعي بمدينة ما ، او مصنع بحي ما. يقع نضال على مستوى المجموعة في مواقع عدة لكن داخل نفس المجموعة، مثلا إضراب على صعيد مجموعة رونو. يمكن ان يكون النضال على صعيد قطاع نشاط (فرع). مثلا قطاع الصحة ، الكيمياء، أو صناعة التعدين. يمكن ان يجري النضال في مجموع قطاعات النشاط و المواقع. المضمون: قد يكون المضمون المطلبي للنضال ماديا: أجور، تقاعد، ظروف ووقت العمل، ضماناجتماعي … أو سياسي كسحب قانون أو نقد سياسة اجتماعية معادية للشغيلة، أو الظفر بحقوق نقابية جديدة، أو تشكيل سلطة عمالية مضادة داخل المقاولة… . وبإمكانه طبعا مزج الوجهين المادي والسياسي : مثلا تبسيط وإضفاء التماسك من فوق على شبكة تأهيل في فرع معين. يتيح ايضا هذا المطلب المادي تشجيع توحيد عمال هذا الفرع وبالتالي فتح آفاق نضالات أهم. كما يمكن خوض النضالات تضامنا مع نضالات اخرى.

مختلف أنواع النضال:

الاحتجاج الكلامي: ابسط أشكال النضال

عريضة التوقيعات:نص مكتوب يندد ويطالب ويعبر عن رفض او رغبة. بإمكان العريضة ان تؤثر في بعض الحالات وتحقيق امتيازات صغيرة غالبا ما تكون وهمية وديماغوجية. تقوم بعض النقابات، عند العجز عن الفعل او رفضه، بتخليص نفسها باطلاق عريضة لاهداف انتخابية او لاراحة الضمير.

التوقف: وقف النشاط خلال مدة وجيزة ، أقصاها بضع ساعات. يعبر التوقف عن استياء اكبر وعن ميلاد نوع من الراديكالية. يستعمل التوقف كضغط من اجل مفاوضات حول نتائج على المدى القصير او مطالب صغيرة. مثلا: غياب تدفئة، مشاكل منح، الخ.

الاضراب المبرقع: اضراب قسم من العمال ثم عودة الى العمل بينما يضرب قسم آخر وهكذا ذواليك. ميزته : فقدان أجرة فردية ادنى بينما تكون المقاولة مشلولة عمليا ورب العمل يدفع اجور مستخدمين اصبحوا ضعيفي الانتاجية او حتى متوقفي النشاط. سيحاول رب العمل تشغيل غير المضربين والاطر او المناوبينtemporary worker / intérimaires اذا لم يكف ذلك سيغلق المقاولة لفترة، فالإغلاق هو الذي يقيه دفع اجور عمال لا يعملون.

تباطؤ Slowing-down / Coulage : كبح الانتاج بخفض المردودية الى ادنى حد ممكن. اضراب فرط التقيد بالشكليات

مفرط Overzealous / Zèle: التطبيق الصارم او المفرط لتعليمات وقواعد العمل بشكل يعرقل حسن سير الانتاج.

الاضراب المحدود: يكف الاجراء عن العمل مدة محدودة.

الاضراب غير المحدود: توقف الاجراء عن العمل الى ان يقرروا استئنافه. ميزته انه يعبر عن نوع من الراديكالية، ومشاركة في النضال، ويوقف الإنتاج كلا او بعضا.

سلبيته : فقدان الأجراء لقسم كبير من الأجرة . يمكن ان تستمر المقاولة في الإنتاج بتشغيل مناوبين intérimaires – (3)temporary workers / وغير مضربين ، كما يمكن إنجاز عمل الإنتاج في موقع آخر.

حاجز الاضراب (4)piquet de grève : اقامة حواجز لمنع غير المضربين من دخول المؤسسة لتنفيذ العمل. غالبا ما تكون الظروف المادية لحاجز الإضراب سيئة : عدم وجود اماكن احتماء من تقلبات الطقس . قد ينجح احيانا قسم من غير المضربين في دخول المؤسسة، او يكون محجوزين بداخلها، ويواصلوا الانتاج.

الاضراب مع الاعتصام داخل المؤسسة: يكتسح المضربون المؤسسة ويخرجون غير المضربين ويستعملون كل شيء لصالحهم : قاعات الاجتماع ، réfectoires / cafetaria (5) ، اماكن النوم (6)dortoirs / dormitories ، الات فوتوكوبي ، الهاتف ، السيارات.

النضال بين الجدران : ينحصر داخل المؤسسة.

النضال خارج الجدران: اجتياح واحتلال مؤسسة ما او ادارة مساندة لرب العمل: مندوبية وزارة التشغيل او العدل او البلدية ، او مقر حزب سياسي ، مقر جريدة، غرفة التجارة والصناعة، حي سكن الاطر او المشغل، المقاولة التي نقل اليها الانتاج.

يجب ان يسعى النضال الى الحصول على تواطؤ السكان ودعمهم. يجب تفسير المطالب وتفادي ازعاج الاجراء و المستفيدين من الخدمات (المرضى بالمستشفى والركاب بوسائل النقل،….) المسيرة بالمدينة: تكشف الصراع ، وتضفي الشعبية على النضال، وتحافظ على الضغط، وتتيح تقييم ميزان القوى.

المسيرة الوطنية وحتى الدولية تخضع لنفس قواعد المسيرة بالمدينة، لكن على نطاق اوسع.

الحرب النفسية : انتاج اشاعات، ومعلومات من كل نوع لاضعاف الخصم.

افقاد الاعتبار: نشر انتقادات حول جودة المنتوج او الخدمات التي تقدمها المؤسسة.

الحاق الضرر بمصالح المشغل:. يمارس هذا الشكل القديم من النضال باستمرار رغم انه غير بارز اعلاميا. يجب استعماله من طرف افراد واعين بمخاطره وبالنتائج الكارثية لبعض اشكاله التي قد تؤدي الى اغلاق المقاولة. انه سلاح شديد الفعالية وغير مكلف للمضربين ومضر بالمشغل. يجب دائما استحضار ان النضال يجب ان يضر بالمشغل وليس بالاجراء او مستعملي الخدمات العمومية : النقل الكهرباء/ الصحة ، التغذية، الخ.

اعادة التملك: تحكم الأجراء بمنتجات المقاولة أي بما انتجوه انفسهم. البيع البري : يقوم المضربون ببيع مخزونات المقاولة لتكوين كنز حرب لتعويضهم. الانتاج البري: يستعمل المضربون الات المنشأة لانتاج منتجات يبيعونها مباشرة للسكان بخفض الاسعار مما سيرضي الجميع ويوفر مالا للمضربين .

العمل البري: يستعمل المضربون ادواتهم الخاصة فيصنعون اويقدمون خدمات مقابل مال لصندوق الإضراب. مثلا في استراليا شغل المضربون حافلات الترام ونقلوا السكان مجانا.

المقاطعة : يطلب الاجراء المناضلون من السكان عدم شراء او استعمال منتوج او خدمة تقدمها المقاولة التي يعملون بها . مثلا تدعو لجنة النضال السكان الى عدم استهلاك منتوج ما طالما لم تتحقق المطالب.

العصيان المدني: رفض تطبيق قوانين الدولة والخضوع لها. مثلا: دعم ومساندة الاشخاص المقموعين. عدم اداء الضريبة، رفض تقديم اوراق الهوية، او الجندية، الخ الاضراب المعمم : اضراب يشمل قطاعا بأكمله او عدة قطاعات او اقليم او بلد او مجموعة بلدان الاضراب العام: اضراب مشترك بين الفئات او بين القطاعات في منطقة ما او بلد او عالميا . انه السلاح المفضل لدى النقابيين اللاسلطويين. انه نشاط يحول كتلة بكاملها الى نقابيين لاسلطوين، حتى ان لم تع ذلك. فعلا في هذا الطور ينوي الناس الذين يناضلون تحدى خصومهم. ولا يلجؤون الى نتيجة الانتخابات ولا الى الحكومة المنبثقة عنها ولا الى الوعود. يستند الناس المناضلون على الفعل المباشر ، بقصد تحقيق مطالبهم الآن وهنا.

يعبر الإضراب العام عن مواجهة طبقية واضحة. وان كان جماهيريا يصبح ميزان القوى في حالة مثلى وقد تظهر خيارات أخرى.

الاضراب العام مع الانتفاضة: يصبح المضربون ، لاسباب مختلفة، في حالة عصيان، ويقيمون المتاريس. ينهض الشعب المسلح في كل مكان فاتحا منظور امكانية نزع ملكية الرأسماليين.

الاضراب العام النازع للملكية: يصبح المضربون أسياد الشارع ويستولون على وسائل الانتاج والتبادل والاتصال. توضع المقاولات والتجارة والإدارات تحت رقابة لجان النضال. انها مقدمة تغيير اجتماعي عميق يتعين ان تخرج منه بنظرنا الشيوعية اللاسلطوية.

بعض النصائح

تلك اذن بعض تقنيات النضال المكونة لقسم من النضال النقابي. يتوجب على كل مناضل تقييم استعمالها. لكن اعتقد بوجوب ان تطابق أي تقنية الرهان المطروح. فلا جدوى من استعمال الوسائل الكبيرة في رهان صغير. مثلا: يكفي التوقف عن العمل والاضراب المبرقع او الافراط في التقيد بشكليات العمل لتحقيق مطلب بسيط. واذا تبين عدم كفاية الضغط يلزم التدرج في في الانتقال الى نضالات جذرية اكثر. يلزم الإبقاء دوما على الضغط والانطلاق تصاعديا لان انطلاقة قوية متبوعة بتراجع تدل على ضعف سيعرف الخصم كيف يحلله ويستغله.

الحذر من الراديكاليين المزيفين، وتحليل مدى صدق الداعين الى التجذر.، بغض النظر عما ان كانوا على صواب او خطأ في اللحظة. من يدفعون نحو صراع قاس غير ملائم ، اما انهم يحاولون ابراز الصلابة للالتحام بالمضربين لنيل ثقتهم وخنق النضال لاحقا، او انهم يدركون ان الفشل مضمون ويريدون استثمار التعاطف المحقق انتخابيا. وان كانوا عملاء للخصم، يفجرون صراعا قاسيا مفضيا الى فشل سيكون له اثر بالغ عندما يكون هجوم لرب العمل( اعادة هيكلة، تسريحات،الخ) على جدول الأعمال لان خسائر الأجور الحاصلة لن تتيح للعمال إعادة استئناف الصراع.

تحليل ميزان القوى. مثلا اقتراب الانتخابات النقابية او السياسية التي تدفع السلطات العمومية الى تفادي النزاعات.

تحليل مستوى استياء الرأي العام او الوضع المالي والاقتصادي للمؤسسات التي يريد المضربون التحرك بها.

تفحض حالة المخزونات من السلع، فان كانت كبيرة يمكن لرب العمل مواصلة بيع منتجاته و يخفض بالموازاة كتلة الأجور بسبب الإضراب. على العكس تؤثر مخزونات ضعيفة او على وشك النفاذ سلبيا على رب العمل. حذا ر من التلاعب بوقت العمل (المرونة)الذي يتيحه القانون لرب العمل، فقد يمكنه ذلك من توفير مخزونات والوفاء بالطلبيات commandes المتأخرة بسبب النزاع مع عماله.

تحليل حالة الطلبيات وحجم الأموال الاحتياطية وإمكانيات نقل الإنتاج الى موقع آخر. يمكن الاعداد لنضال باستعمال تركيب من أشكال النضال : الإضراب المبرقع ، فرط التقيد بالشكليات، التباطؤ…

اتقاء القمع بحماية هوية المضربين ومهامهم واجتماعاتهم… اتخاذ القرارات في اخر لحظة لتفادي وصول معلوماتها الى الخصم.

اختيار لجنة نضال أوسع من المكاتب النقابية وحدها. وتسيير لجنة الإضراب من طرف الجمع العام.

تكوين لجان عديدة: الإعلام، التغذية، الدعاوة، المالية، الإنتاج البري، يجبر هذا الخصم على إكثار استعمال كاسري الإضراب ضد المضربين.

تطبيق الديمقراطية المباشرة في الجموع العامة ذات السيادة لتفادي سيطرة أقلية على المعركة لغايات غير التي قررها الجمع العام.

لا جدوى من بعث أشخاص للنقاش مع رب العمل او المدير او مجلس الادارة. لا جدوى من بعث مندوبي العمال او غيرهم من المختصين المزعومين في التفاوض. لا فائدة منهم ما عدا الإقناع بجدواهم او انتزاع تفويض السلطة والإقناع بضرورة النقابات الإصلاحية. تعرف البرجوازية كيف تستعمل أدوات لدراسة استياء العمال. مثلا: يتباطؤ الانتاج او يحصل تدهور في جودة المنتوج او تتكاثر التغيبات ، فيستنتج رب العمل فورا ان الأجراء مستاؤون حتى وان أنكر ذلك او تستر عنه.

لا يستدعي اندلاع إضراب بأي وجه ان يهرول ممثلو الأجراء المزعومون امام الادارة ليخبروها بذلك ، فهي تعرف ذلك وتعرف حتى ما ستقترح على المضربين. ليست ثمة فائدة ترجى من مندوب العمال.

ارسلوا مطالبكم الى الصحافة والى السكان او الى في بريد موقع من لجنة النضال الى المشغل.

اذا اظهر المشغل استعدادا للتفاوض او اقترح تلبية المطالب فليعرف باقتراحاته بالصحافة او بملصق او بتناول الكلمة امام العمال. وستجيب اللجنة كتابة. لا جدوى من إرسال ممثلين للتفاوض، فقد يركزون على فتات او يدافعون عن أفكارهم بدلا عن أفكاركم لا سيما اذا تعلق الأمر بمنتخبي النقابات الإصلاحية.

اجبروا الخصم على توقيع اتفاق عدم قمع بعد النزاع. وإجباره على اداء أجور أيام الإضراب. يجب السعي الى خفض الاثار المالية للنزاع على الأجراء الى ادناها، فعلى هذا النحو يمكن للأجراء ، غير المصابين بضعف، ان يشنوا نزاعا جديدا اذا حاول رب العمل هجوما مضادا.

وفق هذا المنطق يجب تنظيم جمع تبرعات وحفلات موسيقية ودعم مالي. اضغطوا على رؤساء البلديات وعلى الصناديق الاجتماعية لإيجاد مال.

شرعية ولاشرعية

يجب استعمال الشرعية قدر الإمكان وبالتالي تفادي مشاكل قمع محتمل. لكن يجب ان نلاحظ ان الشرعية تتلاءم بشكل سيء مع مصالحنا. بسرعة يضطر العمال، لتحقيق أهدافهم، الى التصرف خارج الشرعية: حواجز إضراب، احتلالات، سيطرة على الإنتاج. لكن يجب ان نحلل بهدوء المزايا والمضاعفات. ستكتشفون بسرعة فائقة ان القانون الذي تعطيه الدولة شرعية ليس محايدا ويخدم مصلحة البرجوازية . وانطلاقا من فكرة باكونين » ليس القانون غير الواقع مبينا بالقوة » سيصبح شرعيا ما سنفرض بالقوة.

عنف ولا عنف

ليس بالضرورة هذا او ذاك، يمكن ان يكونا معا، أي نزاع سلمي مع اندفاعات عنيفة والعكس بالعكس. تارة يكون نزاع غير عنيف وحازم فعالا وتارة العكس. ان مسيرة جماهيرية جيدة وهادئة قد تكون فعالة، لكن مظاهرة عنيفة قد تكون لها نفس الفعالية. انها مسألة سياق واختيار من قبل الناس الذين يخوضون النضال. لكن يجب الحذر من العنف وممن يحث عليه( هل المضربون او الخصوم؟) النقابيون اللاسلطويون Les anarcho-syndicalistes انصار عالم بلا عنف وبلا سلاح ، ذلك هدفهم.

لكن للأسف نلاحظ ان مقاومة العمال الشرسة و النشيطة شرعية أمام عنف البرجوازية: استغلال، تسريح، حروب، سجون، الخ.

التنظيم

يجب أيضا ان نفكر في نمط التنظيم الملائم للنضال. هل تدافع الحركة النقابية اليسارية الراهنة فعلا عن مصالح العمال ؟او أي مصالح اخرى؟ هل تلائم النضال، هل تدافع عنه؟ الا تعتمد أنماط تشاور ووساطة في خدمة البرجوازية؟ هي يجب تجذيرها؟ ما فعالية الحماية القانونية للمنتخبين؟ هل حماية المنتخبين النقابيين جيدة؟ يبدو، بالنظر الى الألوف المسرحة منهم، انهم غير محميون. في الواقع تعرض المشاركة في أعمال نضالية غير قانونية للتسريح سواء كنت منتخبا او لا ، محميا او لا. وبالتالي فان اشكال الحماية لا تفيد في شيء.

الأسوأ ان محاولة الاحتماء بالوسائل القانونية تفضي بأنصار تلك الممارسات الى احترام القانون المفيد لأرباب العمل، والى عدم المشاركة في النضالات التي تتخطى الاطار القانوني وبالتالي الدفاع عن الشرعية البرجوازية والتحول من جراء ذلك الى مضاد للثورة.

اما اعتماد الخطاب المزدوج، الشرعي في الواجهة واللاشرعي في الواقع، فهو غير ممكن غالبا لان المنتخبين النقابيين او السياسيين، مضطرين، بوعي او بدونه، الى الدفاع عن الاطار القانوني وبالتالي تعزيزه والسكون عن انتقاداتهم بغية الحصول على الحمايات القانونية التي تقتضيها وظيفتهم . لا سيما انه يصعب لاحقا رفض الإطار القانوني بفعل ما يمنح من مزايا للفرد.

ثم لا داعي للتخوف، فالبرجوازية ستدوس، اذا استشعرت خطر النضال، كل القوانين وسترسل المنتخبين من كل نوع الى تأمل القانون.

مناضل نقابي لاسلطوي من مطبوعات الكنفدرالية الوطنية للشغل-الجمعية الاممية للعمال CNT-AIT تعريب المناضل-ة

كتيب لتحميل هنا

=====

(عمل مؤقت (1

(2) عنيد

(3) العمال المؤقتين

(4) اعتصام الاضراب

(5) حجرة الطعام

(6) المهجع

AIY-IWA_Arabic

Contact ( at ) cnt-ait.info http://liste.cnt-ait.info http://cnt-ait.info

In French / en français : http://cnt-ait.info/2020/06/17/techniques-de-luttes/

In english / en anglais : http://cnt-ait.info/2019/12/21/methods-of-struggle-anarchosyndicalist-tactics/

In portuguese / en portugais : http://cnt-ait.info/2019/06/05/tecnicas-de-luta

عاشت الحركة الاجتماعية لاصحاب السترات الصفراء و الاناركيين …

تونس في 8 ديسمبر 2018
اندلعت حركات السترات الصّفراء و الاناركيين بكامل جهات فرنسا كردّ فعل على الزيادات المشطة في ثمن المحروقات و اتخذت شكل مواجهات مع البوليس في باريس .

تونس في 8 ديسمبر 2018
اندلعت حركات السترات الصّفراء و الاناركيين بكامل جهات فرنسا كردّ فعل على الزيادات المشطة في ثمن المحروقات و اتخذت شكل مواجهات مع البوليس في باريس .


و لكن تطوّرت هذه الحركة للرد على صلف ماكرون و حكومته و لتعبّر عن حقيقة عمقها الاجتماعي و الطبقي بأن رفّعت سقف مطالبها رغم تراجع الحكومة لتصل لأكثر من عشر مطالب منها الرفع في الأجر الأدنى و فرض ضريبة تصاعدية على الأغنياء و المطالبة برحيل ماكرون كممثل لسياسة الانحياز الفاضح للبرجوازيّة على حساب مزيد تفقير الكادحين و المهمشين و العاطلين الذين ازدادوا بشكل مطلق … و من الممكن أن تتحوّل هذه الحركة الى ثورة اذا ما تواصل صلف حكومة ماكرون
و هذه الحركة أسقطت أسطورة النموذج الدّيمقراطي الغربي النّاجح و النّاجع لانهاء النّزاعات الطبقيّة و قدرته على استيعابها و بان بالكاشف صلف هذه الانظمة باعتمادها قمع حتّى التلاميذ و تشويه الحركة عبر المندسين و الاعلاميين و التشويش عليها و اعتماد اساليب لا علاقة لها بحقوق الانسان الذي طالما تشدقت به فأوقفت الف متظاهر أو أكثر و منهم من لم يلتحق بعد بالتحركات و اعتمدت الضرب و الملاحقة و الغاز المسيل للدموع و الماء الساخن بشكل مكثف و لكنها لم تزد الحركة الّا مزيدا من تعاطف الفرنسيين …


كما أثبتت شكلا جديدا للنقاش الأفقي و بلورة الأهداف باعتماد فضاء التواصل الاجتماعي وأعطت مثالا يحتذى للحركات الاجتماعيّة العضويّة و القاعديّة و للتنظّم الذاتي للجماهير كبديل حيّ و مجدي عن القيادات التمثيليّة الحزبيّة و المدنيّة الحاكمة و المعارضة العميلة للنظّام و هذه الحركة تأكد احتداد الأزمة العالميّة و عطالة و اختناق تعيشه دوائر رأس المال الأوروبي و العالمي ..
انتشرت الحركة في بلدان اوروبيّة أخرى كبلجيكا و بلغاريا و ايطاليا و هولاندا … و أخذت في عديد المناطق شكل المواجهات الصداميّة و هذا يؤكد البعد الأممي لهذه الحركة التي تعتبر امتدادا للسيرورة الثوريّة التي اندلعت في تونس و تستدعي التّضامن الأممي بين كلّ الحركات الاحتجاجيّة في الشرق و الغرب فهذا التضامن هوّ الكفيل بمواجهة الرأسمال المعولم ..

و عليه نعلن مساندتنا التّامة لهذا الحراك الاجتماعي و لامكانيات تطوّره الثّوري و نطالب باطلاق سراح الموقوفين دون قيد أو شرط و محاسبة كل المتجاوزين في حق المتظاهرين

عاشت الحركة الاجتماعية لاصحاب السترات الصفراء و الاناركيين …
عاش التضامن الاممي لشعوب الشرق و الغرب ضامنا لمواجهة رأس المال المعولم

الاتحاد الاناركي الطلابي

آتامانشا

حياة (ماريوسيا نيكيفوروفا)
The Life of Marusya Nikiforova 1885 – 1919

بقلم : (ملكولم آرشيبالد)
Malcolm Archibald

ترجمة : نهى كمال

تقديم

أحيانا ما تقارن الأناركية الأوكرانية (ماريا نيكيفوروفا) Maria Nikiforova , بـ (جان دارك) Joan of Arc , و قد بدأت مثل (جان دارك) حياتها من أصول متواضعة , لتنتهي بشكل لا يصدّق , قائدة عسكرية شرسة , لتعتقل في النهاية و يتم إعدامها من قبل أعدائها اليمينيين . و تماما كما كانت (جان دارك) , كانت (ماريوسيا) متعصبة لأهدافها التي سعت إليه بشكل عنيف و طريقة لا تعرف الرحمة .

لكن ليس لـ (ماريا نيكيفوروفا) مظاهر تقديس كضريبتها , و لا صفوف من الكتب المكرسة لحياتها بأي لغة . و على الرغم من أنها قد لعبت دورا بارزا في الثورة الروسية 1917 , و الحرب الأهلية اللاحقة , إلا أنّ اسمها قد شطب تقريبا من الرواية السوفياتية اللاحقة لتلك الفترة . فقاموس السير الذاتية للثورة الروسية , المنشور في الإتحاد السوفياتي , و الذي يضم مئات الأسماء , لا يذكرها , و هو في الواقع لا يذكر سوى بضع عشرات من النساء . نعم هناك مقالات عن بطلات بلشفيات : (ألكساندرا كولنتاي) Alexandra Kollontai , (لاريسا رايسنر) Larissa Reissner , (إنيسا آرماند) Inessa Armand , لكن أيا من أولئك النسوة لم تكن قائدة عسكرية مستقلة , مثل (نيكيفوروفا) .

حياة (ماريوسيا نيكيفوروفا)
The Life of Marusya Nikiforova 1885 – 1919

بقلم : (ملكولم آرشيبالد)
Malcolm Archibald

ترجمة : نهى كمال

تقديم

أحيانا ما تقارن الأناركية الأوكرانية (ماريا نيكيفوروفا) Maria Nikiforova , بـ (جان دارك) Joan of Arc , و قد بدأت مثل (جان دارك) حياتها من أصول متواضعة , لتنتهي بشكل لا يصدّق , قائدة عسكرية شرسة , لتعتقل في النهاية و يتم إعدامها من قبل أعدائها اليمينيين . و تماما كما كانت (جان دارك) , كانت (ماريوسيا) متعصبة لأهدافها التي سعت إليه بشكل عنيف و طريقة لا تعرف الرحمة .

لكن ليس لـ (ماريا نيكيفوروفا) مظاهر تقديس كضريبتها , و لا صفوف من الكتب المكرسة لحياتها بأي لغة . و على الرغم من أنها قد لعبت دورا بارزا في الثورة الروسية 1917 , و الحرب الأهلية اللاحقة , إلا أنّ اسمها قد شطب تقريبا من الرواية السوفياتية اللاحقة لتلك الفترة . فقاموس السير الذاتية للثورة الروسية , المنشور في الإتحاد السوفياتي , و الذي يضم مئات الأسماء , لا يذكرها , و هو في الواقع لا يذكر سوى بضع عشرات من النساء . نعم هناك مقالات عن بطلات بلشفيات : (ألكساندرا كولنتاي) Alexandra Kollontai , (لاريسا رايسنر) Larissa Reissner , (إنيسا آرماند) Inessa Armand , لكن أيا من أولئك النسوة لم تكن قائدة عسكرية مستقلة , مثل (نيكيفوروفا) .

حياة (ماريوسيا نيكيفوروفا)

The Life of Marusya Nikiforova 1885 – 1919

بقلم : (ملكولم آرشيبالد)
Malcolm Archibald

ترجمة : نهى كمال

تقديم

أحيانا ما تقارن الأناركية الأوكرانية (ماريا نيكيفوروفا) Maria Nikiforova , بـ (جان دارك) Joan of Arc , و قد بدأت مثل (جان دارك) حياتها من أصول متواضعة , لتنتهي بشكل لا يصدّق , قائدة عسكرية شرسة , لتعتقل في النهاية و يتم إعدامها من قبل أعدائها اليمينيين . و تماما كما كانت (جان دارك) , كانت (ماريوسيا) متعصبة لأهدافها التي سعت إليه بشكل عنيف و طريقة لا تعرف الرحمة .

لكن ليس لـ (ماريا نيكيفوروفا) مظاهر تقديس كضريبتها , و لا صفوف من الكتب المكرسة لحياتها بأي لغة . و على الرغم من أنها قد لعبت دورا بارزا في الثورة الروسية 1917 , و الحرب الأهلية اللاحقة , إلا أنّ اسمها قد شطب تقريبا من الرواية السوفياتية اللاحقة لتلك الفترة . فقاموس السير الذاتية للثورة الروسية , المنشور في الإتحاد السوفياتي , و الذي يضم مئات الأسماء , لا يذكرها , و هو في الواقع لا يذكر سوى بضع عشرات من النساء . نعم هناك مقالات عن بطلات بلشفيات : (ألكساندرا كولنتاي) Alexandra Kollontai , (لاريسا رايسنر) Larissa Reissner , (إنيسا آرماند) Inessa Armand , لكن أيا من أولئك النسوة لم تكن قائدة عسكرية مستقلة , مثل (نيكيفوروفا) .

لا يوجد ترجمة لحياة (ماريا نيكيفوروفا) , و لا دراسة علمية لحياتها , يمكن البدء منها لتطويرها أو إعادة تفسيرها . ربما لأنها قد أمضت معظم حياتها بعيدا عن الأضواء , فقد أنضمّت لمجموعة أناركية إرهابية و هي بعمر السادسة عشرة , و لم تظهر تحت الأضواء إلا بين عامي , 1917 – 1919 . لذلك فإن هناك عدد جد قليل من الوثائق التي تتابع أنشطتها , و لا تكاد توجد صور . و على أية حال فإن إمكانية التعرف على الإرهابي أمر قاتل بالنسبة له , و هكذا كانت (نيكيفوروفا) في نهاية المطاف . و عادة , فإن التقارير المتوفرة عن حياتها تنتمي لعالمي المذكرات أو الأدب . و هي في معظمها معادية , و تميل إلى تصويرها بصورة مثيرة للاشمئزاز على أنها شر خالص .

و على الرغم من أن (نيكيفوروفا) كانت أوكرانية , و على الرغم من أن نشاطها خلال الثورة الروسية و الحرب الأهلية قد تركز في أوكرانيا , إلا أنه قد تمت تجاهلها إلى حد كبير من قبل المؤرخين الأوكرانيين . و بسبب من معاداتها للقومية , مثلها في ذلك مثل الحركة الأناركية الأوكرانية في المجمل , فقد تم أقصاؤها من المنظور التاريخي القومي الأوكراني .

و حتى الكتّاب المتعاطفين مع الحركة الأناركية , تجاهلوها , كقاعدة عامة . و على الرغم من ارتباطها الوثيق بالأناركي الفلاحي (نستور ماخنو) Nestor Makhno , فإن الكتب التي تستطلع أعمال ماخنو تكاد تخلو من أي ذكر لها . على الرغم أنها كانت بالفعل مشهورة في جميع أنحاء أوكرانيا بإعتبارها (آتامانشا) атаманша = قائدة عسكرية , أناركية , في الوقت الذي كان فيه (ماخنو) لا يزال شخصية مغمورة , يعمل في الظل . و ليس لها أثر في كتابات , (بيتر آرشينوف) Peter Arshinov , أو (فولين) Volin , أو (بول آفريتش) Paul Avrich , و لم يخصص كتاب (ألكسندر سكيردا) Alexandre Skirda عن (ماخنو) لها سوى فقرة واحدة من عمل ينيف على الصفحات الأربعمائة . لكن مذكرات (ماخنو) نفسه , و التي لا تغطي سوى 22 شهرا من الثورة و الحرب الأهلية , تقدّم شهادة عيان عن عدد من الحوادث المثيرة التي لعبت فيها (نيكيفوروفا) دورا قياديا . كما تعتبر كتابات (فيكتور بيلاش) Victor Belash , معاون (ماخنو) , و التي تم استنقاذها من ملفات الشرطة السوفياتية السرية , مصدرا أساسيا عنها .

و قد ظهر أثر الاهتمام , في كل من روسيا و أوكرانيا , عقب انهيار الاتحاد السوفياتي , بملء  » البقع البيضاء » في التاريخ , في نشر العديد من الكتب عن (ماخنو) , و بضعة مقالات عن (نيكيفوروفا) . و قد أتاح نشر الأرشيفات بعض المعلومات المتماسكة , مثل سجل خدمة (نيكيفوروفا) , لأنها كانت في وقت ما تنتمي للجيش الأحمر . و تدريجيا أصبح من الممكن إلقاء الضوء على حياتها و إنشاء سرد موثوق به إلى حد مقبول لأعمالها , بالرغم من بعض النقاط الغامضة .

في المسودة التالية , نحاول رسم صورة لحياة (نيكيفوروفا) بناء على المصادر الثانوية المنشورة باللغتين الروسية و الأوكرانية , خلال العقدين الماضيين .
__________________________________________

ولدت (ماريا جريجوريفنا نيكيفوروفا) Maria Grigorevna Nikiforova , Мария Григорьевна Никифорова في مدينة (ألكساندروفسك) Aleksandrovsk , سنة 1885 , لضابط من أبطال الحرب الروسية التركية , و على الرغم من أن هذه القصة قد تساعد على تفسير مهارتها الحربية التي ستبديها في وقت لاحق , إلا أنها قليلة الإحتمال جدا . فحتى بالنسبة لإبنة ضابط فقيرة , لم يكن من المرجح أن تترك المنزل في سن السادسة عشرة لتكسب قوتها , كما فعلت (ماريا) .

بنهاية القرن التاسع عشر , كانت مدينة (ألكسندروفسك) تتطور بسرعة نحو التصنيع , و كان يسكنها عدد كبير من العمال . و على الرغم من أن ظروف ذلك الزمن كانت تتيح فرص عمل قليلة للنساء , إلا أن (ماريا) كانت قادرة على العثور على عمل كحاضنة للأطفال , و بائعة في متجر , و أخيرا , كغاسلة زجاجات في معمل لتقطير الفودكا .

(ألكسندروفسك) في نهاية القرن التاسع عشر

و في نفس الوقت تقريبا الذي أصبحت فيه عاملة في مصنع , انضمت (نيكيفوروفا) إلى مجموعة محلية من الأناركيين الشيوعيين . و قد تميّز هذا الإتجاه السياسي عن غيره من الجماعات اليسارية الأخرى , بما في ذلك الأتجاهات الأخرى من الأناركية , في أعتقاده بأن المجتمع البشري قد وصل بالفعل إلى مستوى يسمح له بالانتقال الفوري إلى الشيوعية . و قد ظهر الأناركيون الشيوعيون الأوائل في أوكرانيا سنة 1903 , و أحرزوا نجاحا كبيرا بين شباب الطبقة العاملة في المراكز الصناعية . و خلال أحداث 1905 – 1907 , كان هناك ما لا يقل عن 90 مجموعة أناركية شيوعية في أوكرانيا .. كانوا أكثر عددا و أفضل تنظيما من نظرائهم في روسيا .

و قد اعتنقت الكثير من هذه المجموعات , بما في ذلك المجموعة التي أنتمت إليها (ماريا) فكرا إرهابيا غير تحريضي , يدعو إلى ضرورة مهاجمة عناصر القمع الإقتصادي , بناءا على موقف طبقي مسبق . هذا الإرهاب الإقتصادي يعتبر نقلة نوعية عن الأنواع السابقة من الإرهاب الروسي , الذي استهدف فيه الإرهابيون الطغاة السياسيين . و بعد قضاءها فترة الإختبار , أصبحت (ماريا) مقاتلة كاملة العضوية , боевик , مخولة للمشاركة في عمليات المصادرة , لجمع المال من أجل القضية , و في الأعمال الإرهابية .

إن عصرنا الحالي لا يفتقر إلى أمثلة عن الإرهاب غير التحريضي , لكن من الضروري أن نحاول رؤية الإرهابيين الأناركيين الأوكرانيين في سياق زمنهم , و ليس زمننا . كانت السنوات الأولى من القرن العشرين , سنوات إحباط مكبوت في صفوف الطبقات الدنيا في الإمبراطورية الروسية , بسبب فشل النشاط الثوري في تغيير النظام السياسي و الإجتماعي في البلاد بأية طريقة مجدية . و كان على رأس هذه الإمبراطورية ملكا , يعد عضوا شرفيا في منظمة تعادل تقريبا الـ (كلو كلوكس كلان) Klu Klux Klan . و في ظل الظروف السائدة , لم يكن الأناركيون وحدهم من أنخرط في أعمال الإرهاب . بل أنخرط فيه كافة المجموعات الإشتراكية . و في الواقع , حتى الليبراليين من الطبقة الوسطى انخرطوا في الإرهاب ضد القمع القيصري . و على الرغم من أن الأناركيين الروس لم يتعدوا أبدا بضعة آلاف , إلا أن صفوف المتعاطفين معهم كانت أكثر من ذلك بكثير .

و قد شاركت (ماريا) في هجوم بالقنابل على قطار للركاب . و على الرغم من أن أحدا لم يصب , إلا أنه قد تم إرهاب بعض الركاب الأثرياء . و تسببت قنبلة أخرى في قتل مدير مصنع , مما ترتب عليه إغلاق المصنع لفترة طويلة , و أدى هجوم على مكاتب تجارية للآلات الزراعية , في (ألكسندروفسك) في مقتل حارس و موظف الصندوق , و سرقة 17 ألف روبل . و عندما حاصرتها الشرطة أخيرا , حاولت (ماريا) الانتحار بتفجير قنبلة في نفسها , و لما لم تنفجر القنبلة , فقد أنتهى بها المطاف في السجن ….

و اشتملت محاكمتها في 1908 على اتهامها بقتل شرطي و المشاركة في عمليات سطو مسلح في أربعة مواقع مختلفة . و حكمت المحكمة على الفتاة الأناركية الشابة بالإعدام , ثم ما لبثت أن خففت الحكم , بسبب سن ماريا , لأن الإمبراطورية الروسية كانت تعتبر سن الرشد الحادية و العشرين , إلى عشرين عاما مع الأشغال الشاقة . و نقلت (ماريا) أولا إلى قلعة (بترو – بافلوفسك) Petro-Pavlovsk في العاصمة الروسية , ثم نقلت إلى سيبيريا لتنفيذ الحكم الصادر ضدها هناك .

و إنه من الصعب تحديد , متى بالضبط , و في أي مرحلة من حياتها أطلق على (ماريا نيكيفوروفا) اسم (ماريوسيا) Marusya , و هي صيغة تصغير سلافية – من ضمن صيغ عديدة – لـ (ماريا) . و الفولكلور دائما ما يشير إليها كـ (ماريوسيا) , بل و يسمح حتى للغرباء بمناداتها بـ (ماريوسيا) , و لذلك سنعتمد نحن أيضا هذا الاسم .
__________________________________________

سنوات التجوال

لم تمكث (ماريوسيا) في سيبيريا طويلا . و وفقا لإحدى الروايات , أنها قد نظّمت أعمال شغب في سجن (ناريمسك) Narymsk 1910 , ثم نجحت في الفرار عبر التايجا إلى السكك الحديدية السيبيرية الكبرى , لتصل في نهاية المطاف إلى (فلاديفوستوك) Vladivostok , و منها إلى اليابان . و هناك ساعدها عدد من الطلبة الأناركيين الصينيين , فدبروا لها تذكرة إلى الولايات المتحدة, حيث وجدت منزل مؤقت بين مجموعة كبيرة من الأناركيين المهاجرين من الإمبراطورية الروسية , و الذين كانوا ذوي أصول يهودية في الأساس , و قد استقروا في نيويورك و شيكاغو . و يبدو أن (ماريوسيا) قد نشرت العديد من المواد الدعائية الأناركية باللغة الروسية , تحت أسماء مستعارة مختلفة .

و في حدود 1912 , عادت (ماريوسيا) إلى إوروبا , و استقرت في باريس , و في عام 1913 , قامت بزيارة إسبانيا , حيث تشاركت هناك في معارفها عن « الإجراءات » مع الأناركيين الإسبان . و بينما كانت تشارك في عملية سطو على بنك في (برشلونة) , تعرضت (ماريوسيا) للإصابة , و اضطرت للخضوع سرا للعلاج في عيادة في فرنسا .

و في خريف 1913 , عادت مرة أخرى إلى (باريس) , تتسكع في المقاهي , مع الشعراء و الفنانين , و تجتمع مع مختلف السياسيين الروس , بما في ذلك الإشتراكي الديموقراطي (فلاديمير أنتونوف – أوفسينكو) Vladimir Antonov-Ovseyenko , و الذي سينقذها فيما بعد من بعض المواقف العصيبة . و هناك أكتشفت في نفسها موهبة , أو على الأقل أكتسبت ميلا , إلى الرسم و النحت , و انتظمت لبعض الوقت في مدرسة للفن .

و في ذلك الوقت أيضا تزوجت (ماريوسيا) كم الأناركي البولندي (فيتولد بزوستيك) Witold Bzhostek . و كان زواجهما بالتأكيد موفقا لو نظرنا إلى أن الزوجين كانا يقضيان فترات طويلة بعيدا عن أحدهما الآخر . و قد استمرت (ماريوسيا) في استخدام لقبها قبل الزواج . و يبدو أنهما قد أخلصا لبعضهما البعض حتى النهاية .

و في نهاية 1913 , حضرت (ماريوسيا) مؤتمرا للأناركيين الشيوعيين الروس , عقد في لندن . و كانت واحدة من 26 مندوبا , و وقعت على ورقة التسجيل باسم (ماريوسيا) . و كان أخد اهتمامات هذا المؤتمر الرئيسية , عدم وجود خطط أناركية , سواء تعليمية أو تحريضية , خصوصا بالمقارنة مع منافسيهم من الماركسيين .

و قد وصلت هذه الحياة المثالية إلى نهايتها مع الحرب العالمية الأولى , و انقسام الجماعات اليسارية ما بين مؤيد للحرب و مناهض لها . و لم يكن الأناركيون استثناءا , إذ تبنى الأناركيون الشيوعيون موقف (كروبوتكين) المناهض لألمانيا . و يبدو أن (ماريوسيا) قد اتخذت جانب (كروبوتكين) نظريا و عمليا , و وفقا لروايتها , فقد ألتحقت بمدرسة عسكرية فرنسية , و تخرجت منها برتبة ضابط , و أرسلت إلى الحرب في (تسالونيك) Salonika , و كانت هناك عندما أندلعت الثورة في روسيا .

و كغيرها من المهاجرين الروس اليساريين , أنطلقت (ماريوسيا) عائدة إلى روسيا في عام 1917 , وصولا إلى (بتروجراد) , و هناك ألقت بنفسها على الفور في آتون النشاط الثوري .
__________________________________________

الأيام الثورية في (بتروجراد)

كانت (بتروجراد) مقر جهازين متنافسين على السلطة , الحكومة المؤقتة , و سوفيات (بتروجراد) . و كانت الحكومة المؤقتة تفتقر إلى الشرعية لأنه لم يتم انتخابها بشكل صحيح , و كانت تدار من قبل السياسيين الليبراليين و الإشتراكيين و اليمينيين . و كانت غير راغبة و غير قادرة على انهاء مشاركة روسيا في الحرب العالمية , أو على حل مسألة الأراضي في الريف , و ترنحت الحكومة المؤقتة من أزمة إلى أخرى . و قد شمل سوفيات (بتروجراد) على جماعات أكثر راديكالية , مثل البلاشفة , الذين كانوا مصممين على عدم التوقف عند تدمير النظام القيصري , إلى الإجهاز على النظام البورجوازي كذلك .

و قد كان الأناركيون في 1917 – 1918 بمثابة قوات المقدمة بالنسبة للمجموعات اليسارية الراديكالية الأكثر تنظيما . و قد تعرضت الأنشطة الثورية للأناركيين لقمع الحكومة المؤقتة , التي قامت بإعتقال 60 من الأناركيين في يونيو 1917 , في (بتروجراد) . و كان أحد الأناركيين الشيوعيين الذين لم يتعرضوا للإعتقال , (أ س بلايخمان) I. S. Bleikhman , و كان نائبا ذا شعبية في سوفيات (بتروجراد) . و قد قام (بلايخمان) بتنظيم تظاهرة ضخمة مضادة للحكومة في الثالث من يوليو , شارك فيها عددا من العسكريين و العمال المسلحين . و كانت مشاركة البحارة من القاعدة البحرية القريبة في (كرونشتادت) Kronstadt , عاملا حاسما . و قد تم تحريض البحارة على المشاركة من قبل الأناركيين .

و لما كانت (ماريوسيا) قد وصلت مؤخرا إلى روسيا , فقد كانت واحدة من الأناركيين الذين ذهبوا إلى (كرونشتادت) , و قد خطبت عدة مرات في ساحة المرساة Anchor Square في نحو 8 – 10 آلاف من البحارة , و حثتهم على عدم التخلي عن أخوتهم في العاصمة . و جزئيا بفضل جهودها , توجه عدة آلاف من البحارة إلى (بتروجراد) و شاركوا في مظاهرات 3 و 4 يوليو , التي أطاحت تقريبا بالحكومة المؤقتة , و على الرغم من دعم التنظيمات البلشفية للمظاهرات , إلا أن رفض الحزب للانتفاضة , و وصفه لها بأنها « سابقة لأوانها » , قد جعل فشلها حتميا .

و عندما بدأت الحكومة في ملاحقة البلاشفة و الأناركييين , انتهى الأمر ببعض من أصدقاء (ماريوسيا) من البلاشفة , أمثال (ألكساندرا كولونتاي) Alexandra Kollontai في السجن , بينما فرّ البعض الآخر إلى (فنلندا) القريبة . و قد أعطى بحارة (كرونشتادت) لـ (بلايخمان) ملاذا و حموه من الإعتقال . و هنا قررت (ماريوسيا) أن الوقت قد حان للعودة إلى أوكرانيا , لدعم الحركة الأناركية هناك . و في يوليو 1917 , عادت (ماريوسيا) إلى (ألكسندروفيسك) , بعد ثماني سنوات من التجوال حول العالم .
__________________________________________

(ماريوسيا) الإنسانة و الناشطة

عند هذه النقطة من سيرتها , يبدو أنه من المناسب أن نتناول مسألة حياتها الجنسية المحيرة . فوفقا لبعض المصادر المنشورة , و التي كتبها بعد وفاتها , أناس معادين لها , كانت (ماريوسيا) مخنثة intersex , و يدعم هذا الرأي العديد من الأوصاف الجسدية , فعل سبيل المثال , كتب الماخنوفيست السابق (تشودنوف) Chudnov , الذي قابلها في 1918 , يصفها : « كانت امرأة ما بين 32 – 35 , متوسطة الطول , هزيلة , و لها وجه أصابته الشيخوخة المبكرة , التي غالبا ما تصيب الخصي أو الخنثى . و قد ربطت شعرها القصير على شكل دائرة  » .

و كتب البلشفي (كيسيليف) Kiselev , في مذكراته عن لقائه بها في 1919 , :  » كانت امرأة في نحو الثلاثين من عمرها , نحيلة , ذات وجه هزيل , و يعطي وجهها نفس أنطباع وجوه الخدم القدامى , بأنفها الضيق و خدودها الغائرة … و كانت ترتدي بلوزة و تنورة و تعلق مسدسا صغيرا في حزامها  » . و يمضي (كيسيليف) في اتهاماته لها , بأنها مدمنة كوكايين . و تدور معظم أوصاف البلاشفة لها في ذلك الفلك .

أقول أوصاف البلاشفة , ربما بإستثناء (راكشا) Raksha , الذي قابلها في 1918 :

 » كنت قد سمعت بأنها أمرأة جميلة .. و كانت تجلس على الطاولة و سيجارتها بين أسنانها .. كانت الشيطانة جميلة حقا : في حوالي الثلاثين من عمرها , غجرية , ذات شعر أسود و قوام رائع يلائم سترتها العسكرية  » .

و هاك وصف آخر يعود إلى صيف 1918 :

 » كانت العربة تنطلق بسرعة جنونية في الشارع , و قد استرخت فيها بلامبالاة , شابة سمراء , ترتدي قلنسوة من الفراء , و عندنا وقفت على عتبة العربة , ظهرت عريضة المنكبين , ترتدي بنطال الفرسان الأحمر . و كانت كل أنواع الأسلحة تتدلى منها و من جارسها الشخصي  » .

إن أوصاف (ماريوسيا) الجسدية , عموما , تقع في إحدى هذين المعسكرين , ما بين معسكر يؤكد جاذبيتها , و آخر يؤكد مظهرها المنفـّر . على أن الشك يحيط بشهادة البلاشفة , الذين ربما أسقطوا عدم إعجابهم بأيديولوجيتها , على مظهرها الخارجي . لكننا نعلم على وجه اليقين , أن (ماريوسيا) قد تمتعت بكاريزما هائلة , و أنها تركت أنطباعا قويا في الناس التي ألتقت بهم , و أنها كانت قادرة على التأثير على الناس بقوة شخصيتها , و أن رفاقها في السلاح كانوا على ولاء تام لها , و أنها بادلتهم هذا الولاء .

و آراء (ماريوسيا) السياسية معروفة من خطبها العديد . و الحق أن السجن و العمل الشاق و التغرب في أركان العالم لم يزدها سوى ثقة بنفسها . و كثيرا ما قالت :  » إن الأناركيين لا يعدون أحدا بشيء , و لا يريدون سوى توعية الناس بأوضاعهم و تحريضهم على أنتزاع حريتهم  » . و كانت عقيدتها التي أعربت عنها مرارا :  » إن على العمال و الفلاحين , أن يستولوا لأنفسهم , في أسرع وقت ممكن , على ما أقاموه على مدى قرون . « 

و على المستوى التكتيكي , تأثرت (ماريوسيا) بالأناركي المخضرم ( أبولون كارلين) , و الذي ألتقت به في (بتروجراد) , و كان (كارلين) يمثّل تيار الأناركية السوفياتية , و هو تيار يشجّع الأناركيين على المشاركة في المؤسسات السوفياتية , طالما تصرّفت لدفع الثورة في الإتجاه الصحيح , أتجاه الحرية , و يحرّض على التمرد على السوفيات لو بدأ يحيد عن هذا الطريق . و قد أصبح (كارلين) نفسه عضوا في أعلى هيئة في السلطة السوفياتية في عام 1918 . على أن الكثير من الأناركيين قد عارضوا هذا الإتجاه , لاسيما و قد كانوا عادة أقلية في أجهزة السلطة السوفياتية .
__________________________________________

(ألكسندروفسك) و (جولياي – بول)

عندما وصلت (ماريوسيا) إلى (ألكسندروفسك) , وجدت هناك أتحادا أناركيا محليا , يضم نحو 300 من الأعضاء , يبدو أنه قد أنشيء في يونيو 1917 , و لكنه لم يكن ذا تأثير يذكر على الأحداث المحلية . لكنها قررت أن تقلب الأمور . فقامت على الفور بمعاونة رفاقها من بين عمال المصانع , بمصادرة نحو مليون روبل , من معامل تقطير (بادوفيسكي) Badovsky , التي ربما كانت تعمل في إحداها , و قد ذهب جزء من هذا المال على سبيل التبرع لـ (سوفيات) (ألكسندروفسك) .

و كانت (ألكسندروفيسك) عاصمة المقاطعة التي تقع فيها قرية (جولياي بول) , القرية ذات السبعة عشر ألف نسمة , و مسقط رأس (نستور ماخنو) Nestor Makhno , و كان في ذلك الوقت قائدا لإحدى المجموعات الأناركية الشيوعية المحلية , التي ضمت بضعت مئات من الأفراد . و كانت (ماخنو) على علاقة وطيدة بإتحاد (ألكسندروفيسك) الأناركي , و كثيرا ما قام بزيارته , و إن كان متشككا في نشاط هذا الإتحاد , أو عدم نشاطه بالأحرى , و كان الأناركيين في (ألكسندروفسك) بدورهم غير مرتاحين تماما لـ (ماخنو) , و قد أتهموه بقيادة حزب سياسي , يسعى للإستيلاء على السلطة .

و أخذت (ماريوسيا) على عاتقها مهمة السفر إلى (جولياي بول) , و تقع على بعد 80 كم إلى الشرق من (ألكسندروفسك) , على الخريطة , و لكنها أبعد من ذلك بكثير بالقطار . بغرض إعادة الأناركيين المحليين الذين لم يكونوا يعتصرون البرجوازية بالقدر الكافي , حسب رأيها . و في 29 أغسطس 1917 , توجهت إلى لقاء عام في الهواء الطلق , حضره عدد لا بأس به من الحضور , برئاسة (ماخنو) , في حديقة القرية العامة .

و قد بشّرت (ماريوسيا) ببشارة العصيان , و التمرد , التمرد , حتى يتم القضاء على كل أجهزة السلطة . فإما أن ننجز الثورة حتى نهايتها , كما قالت , أو تعود الرأسمالية للحياة من جديد . و دعت إلى إجراءات فورية ردا على عدوان سلطة الدولة على الثوار , و التي ارتبطت بظهور حكومة مركزية رادا . كما دعت (ماريوسيا) لعدم إضاعة الجهد في أعمال جانبية , و إلى توجيه ضربات إرهابية ضد أنصار الدولة الأوكرانية الجديدة .

و بينما كانت (ماريوسيا) تخطب في الجماهير , تلقى (ماخنو) فجأة برقيتين . و قاطع (ماريوسيا) مخاطبا الجمهور :  » إن الثورة في خطر » … كانت البرقيتان من (بتروجراد) , واحدة من الحكومة المؤقتة , و الآخرى من سوفيات (بتروجراد) . و احتوتا أنباءا عن تمرد الجنرال (كورنيلوف) , و تقدمه نحو (بتروجراد) لوضع حد للثورة . و كانت برقية السوفيات تقترح تشكيل لجان محلية لإنقاذ الثورة .

و بينما كانت الحشود تهتف :  » دم أخواننا يسيل , و الثورة المضادة تمشي ضاحكة  » . إذ أشار المتحدث إلى شخص ما يدعى (إيفانوف Ivanov , و يبدو أنه كان أحد فرد سابق في الشرطة السرية , فقفزت (ماريوسيا) على الفور إلى أسفل المنصة , و ألقت القبض على (إيفانوف) الذي كان محاطا بالفعل بالحشود الغاضبة . لكن (ماخنو) تدخل لإنقاذ حياة الشرطي السابق الذي وصفه بأنه غير مؤذ .

و قد تابع أتحاد الفلاحين في (جولياي بول) و المجموعة الأناركية الشيوعية , سوفيات (بتروجراد) في نصيحته , مع تعديل طفيف : إذ شكلت لجنة للدفاع عن الثورة , يكون نشاطها الأول مصادرة جميع الأسلحة التي في أيدي البورجوازية المحلية . لكن (ماريوسيا) كان في رأسها شيء مختلف قليلا . ففي بلدة (أوريخوف) Orekhov القريبة , كان هناك فوجان من الجيش النظامي متمركزان . و قد أقترحت (ماريوسيا) الاستيلاء على أسلحتهما .

بالفعل قامت بتجهيز مجموعة من مائتي رجل من رجال المليشيات , و في العاشر من سبتمبر توجهوا إلى (أوريخوف) بالقطار . و كانوا مسلحين بشكل شيء : دستتين من البنادق و عدد مماثل من المسدسات التي صودرت من مخفر الشرطة في (جولياي بول) . و بمجرد وصولهم إلى (أوريخوف) , قاموا بمحاصرة مقر الأفواج , و بينما تمكن القائد من الفرار , وقع بعض صغار الضباط في يد المحاصرين . حيث قتلتهم (ماريوسيا) بيديها , لتظهر استعدادها لقتل أي شخص ينتمي لطبقة الظباط الحقيرة . بينما تم تسريح الجنود إلى منازلهم . و تم نقل الأسلحة إلى (جولياي بول) , و عادت (ماريوسيا) إلى (ألكسندروفسك) .

و كان على رأس الحكومة المؤقتة في (ألكسندروفسك) المفوض المدني (ب ميخنو) B. Mikhno – ليبرالي – , و مفوض عسكري (س بوبوف) S. Popov – إشتراكي ثوري – . و قد ازعج هذه السلطات ما كان يحدث في (جولياي بول) , و على وجه الخصوص , مصادرة الأسلحة من أصحاب الأملاك , و تقسيم الإقطاعات الكبيرة بين الفلاحين . و هكذا بدأت الأجهزة المحلية في (جولياي بول) , المخترقة تماما من قبل الأناركيين , في تلقي الأوامر و التهديدات من السلطات العليا .

على أن هذه الأوامر كان يتم تجاهلها في (جولياي بول) , و الواقع أن (ماخنو) قد أستغل الهجوم للسفر إلى (ألكسندروفسك) مع مندوب آخر , (ب أنتونوف) B. Antonov , للإلتقاء المباشر بجماعات العمال . و قد أخذت (ماريوسيا) المندوبين الأناركيين في جولة حول المدينة , حيث عقدوا عددا من الاجتماعات في أماكن العمل لفضح أنشطة الثورة المضادة التي تتم باسم العمال في القرى من قبل نظام (كيرنيسكي) Kerensky . و لما كان (ماخنو) و (أنتونوف) مفوضين من قبل سوفيات (جولياي بول) , فلم تجرؤ السلطات في (ألكسندروفسك) على المساس بهما . أما مع (ماريوسيا) فقد كان الأمر مختلفا , فبمجرد مغادرة (ماخنو) و (أنتونوف) المدينة , تم إلقاء القبض عليها في شقتها , و أقتيدت إلى السجن بالسيارة .

لكن الأحداث سرعان ما أتخذت منحى غير سار بالنسبة للسلطات . فبسبب ما تتمتع به (ماريوسيا) من شعبية كبيرة في أوساط عمال (ألكسندروفيسك) , فقد سرى نبأ أعتقالها كالنار في الهشيم . و في صباح اليوم التالي لإعتقالها , زار وفد من العمال المفوضين , للمطالبة بإطلاق سراحها . فتم رفض طلبهم . لكن سوفيات (ألكسندروفسك) كان يتقاسم السلطة مع الحكومة الرسمية . و هكذا تم تنظيم مسيرة من العمال سارت إلى السوفيات للمطالبة بالعدالة . و ألتزم عملاء النظام الهدوء و المسيرة تنطلق . و في طريقها واجه المتظاهرين رئيس مجلس السوفيات الإشتراكي الديموقراطي , (موتشالوف) Mochalov , من المناشفة , و الذي تم أقتياده حرفيا , في عربة تجرها الخيول مع بعض المندوبين من العمال , إلى السجن , حيث أطلق سراح (ماريوسيا) , التي عادت إلى المسيرة حيث رفعت فوق أكتاف العمال إلى مقدمة الحشد الذي احتشد خارج مبنى مجلس السوفيات . و قد استغلت (ماريوسيا) الموقف , لتلقي , بصوتها الجهوري , خطابا لتحريض العمال على النضال ضد الحكومة , من أجل مجتمع خال من كل سلطة .

و حالما وصلت أنباء أعتقال (ماريوسيا) إلى (جولياي بول) حتى اضطرمت الأمور . و تواصل (ماخنو) مع المفوّض (ميخنو) هاتفيا , و تبادلا التهديدات , قبل أن يغلق (ميخنو) الهاتف . فما كان من الأناركيين إلا أن شحنوا قطارا بالمسلّحين , و قد بيّتوا النية على مهاجمة الحكومة في (ألكسندروفسك) , و في الطريق , تلقوا خبر الإفراج عن (ماريوسيا) , ليحتفلوا عوضا عن ذلك .

و كانت إحدى نتائج هذه العملية , أن جرت أنتخابات جديدة في سوفيات (ألكسندروفسك) , شكّلت صعودا قويا للجناح اليساري , الذي ضم بعض الأناركيين , سيعملون على تمرير الأنشطة الثورية في (جولياي بول) .
__________________________________________

ثورة أكتوبر في أوكرانيا

مثلها في ذلك , مثل معظم الأناركيين , تلقت (ماريوسيا) أخبار ثورة أكتوبر بمزيد من الحماس . و قد أعتبر الأناركيون أنقلاب البلاشفة و الجناح اليساري من الإشتراكيين الثوريين , أو ما أصطلح على تسميته بكتلة اليسار , مرحلة أخرى في اضمحلال الدولة , و قد أعتقدوا أنه بعد زوال القيصرية و الدولة البورجوازية , فإن حكومة كتلة اليسار ستكون ظاهرة مؤقتة , ستختفي عما قريب .
و قد قضت (ماريوسيا) الخريف , في تنظيم مفارز الحرس الأسود في (ألكسندروفسك) , و (إليزافيتجارد) Elizavetgrad , و هي مدينة في وسط أوكرانيا , كان بها أتحادا أناركيا قويا . و وفقا لأحد المؤرخين , كانت (ماريوسيا) مسئولة عن مقتل رئيس مجلس السوفيات في (إليزافيتجارد) .
و قد كان التوجه الأساسي للعديد من سوفياتات المدن الأوكرانية نحو مركزية رادا الأوكرانية في (كييف) , أكثر من توجهها نحو الحكومة السوفياتية في (بتروجراد) . و في (ألكسندروفسك) تم اتخاذ القرار في 22 نوفمبر 1917 , بعدد أصوات 147 مقابل 95 , لصالح الانضمام إلى الحكومة الأوكرانية القومية و قاعدتها (كييف) .
و عندما رفضت الحكومة القومية في (كييف) الاعتراف بحكومة كتلة اليسار في (موسكو) , قامت كتلة اليسار بغزو أوكرانيا , بواسطة قوات مكونة من مختلف وحدات الحرس الأحمر . و قد خاض كلا الجانبين حرب صفوف , مع كر و فر على طول خطوط السكك الحديدية , بما يشابه كثيرا الثورة المكسيكية المعاصرة .
و في ديسمبر 1917 , شكلت (ماريوسيا) تحالفا مع المنظمة البلشفية في (ألكسندروفسك) بهدف الإطاحة بالسوفيات المحلي . و قد تلقى البلاشفة , سرا , شحنة من الأسلحة , بينما تولّى الأناركيون ترتيب الدعم من مفرزة من البحارة من أسطول البحر الأسود , بقيادة (م ف موكروسوف) M. V. Mokrousov . و في الثاني عشر من ديسمبر 1917 , حضرت (ماريوسيا) إجتماعا مشتركا لمجلس سوفيات (ألكسندروفسك) و لجان المصانع , و طالبت بإعادة تشكيل السوفيات بإعضاء من البلاشفة و الجناح اليساري من الإشتراكيين الثوريين , و الأناركيين . و قد فر أعضاء الأحزاب الأخرى , المناشفة و الإشتراكيين الثوريين , من المشهد , و أنعقد السوفيات الجديد .
و في 25 – 26 ديسمبر 1917 , توجهت مفرزة (ماريوسيا) إلى (خارخوف) Kharkhov , و ساعدت كتلة اليسار على إقامة سلطة سوفيتية في المدينة . و شاركت قواتها في أعمال صارت علامة مميزة لها : نهب المحلات التجارية و توزيع السلع على السكان . و في 28 – 29 ديسمبر شارك حرسها الأسود في معارك مع الـ (هايدماكا) , و هم قوزاق محليين , في (إيكاترينوسلاف) , و نجحت في تأسيس السلطة السوفياتية في تلك المدينة أيضا . و وفقا لروايتها الخاصة , فقد كانت مفرزتها أول من دخل المدينة , و قامت هي بنفسها , بتجريد 48 جنديا من أسلحتهم .
و في مطلع يناير 1918 , رفضت كتلة اليسار , الجمعية التأسيسية الروسية , مما جعل الحرب الأهلية أمرا لا مفر منه . و لما كانت كتلة اليسار تفتقد إلى قاعدة قوية , و خصوصا في الريف , فقد كانوا في حاجة ماسة إلى حلفاء , و قد وجدوهم في الأناركيين الذين كانوا يشاركونهم كراهيتهم العتيدة للبورجوازية . و قد سعت كتلة اليسار إلى تلقي المساعدة من الأناركيين في أوكرانيا , حيث كان هناك عدد من المجموعات ذات القدرات العسكرية , مثل مجموعة (ماريوسيا) , و مجموعة (ماخنو) .
في هذه الأثناء , كان النظام الجديد في (ألكسندروفسك) تحت تهديد قوات (مركزية رادا) . و كانت القوات السوفياتية قادرة على الحشد , لكن ليس بنفس عدد و لا تسليح الـ (هايداماك) و الذين كان لديهم عربات مدرعة . و قد قرر الثوريين عدم أستعمال مدفعية (موكروسوف) Mokrousov , من أجل تجنب تدمير المدينة . و بعد ثلاثة أيام من قتال الشوارع , اضطر البلاشفة و الأناركيون إلى الإنسحاب . ثم مالت كفة الميزان إلى المنسحبين , مع وصول الحرس الأحمر من (موسكو) و (بتروجراد) . و في الثاني من يناير 1918 , تراجع الـ (هايداماك) إلى الضفة اليمنى من نهر (دنيبر) و استولت لجنة ثورية Revkom على السلطة في المدينة . و في الرابع من يناير , قام (ماخنو) و أخوه (سافا) Sava بعمل أستعراض عسكري , مع مفرزة من الحرس الأسود قوامها 800 فردا من (جولياي بول) . و قد دعي (نستور ماخنو) للإنضمام إلى اللجنة الثورية , و سمح الإتحاد الأناركي بتعيين أثنين من المندوبين , كانت إحداهما (ماريوسيا) التي أصبحت نائبة رئيس اللجنة الثورية .
__________________________________________

تهديد القوزاق

تراجع الـ (هايداماك) , لكن خطرا جديدا كان يهدد المدينة الثورية . و ذلك أن قافلة محملة بالقوزاق مع خيولهم قد وصل إلى المدينة راجعا من الجبهة الخارجية في طريقهم إلى الـ (دون) Don , لينضموا إلى الثورة المضادة التي يقودها الجنرال (كاليدن) Kaledin . و إدراكا للخطر الذي يمثله هؤلاء القوزاق على الثورة , قرر المتمردين في (ألكسندروفسك) إيقافهم .

و قاد الأناركيون مفارزهم عبر جسر (خيخلاس) Kichkass المعلق على نهى (دنيبر) , و حفروا على طول خطوط السكك الحديدية . و سرعان ما ظهر القوزاق . و كانت الاتصالات تتم عن طريق الهاتف , و تم ترتيب لقاء بين ممثلين عن الجانبين . و كان (ماخنو) و (ماريوسيا) جزءا من الوفد الذي انتقل على متن قاطرة إلى نقطة الإلتقاء . و كان ضباط القوزاق في حالة استعداد نفسي للقتال , و أدّعوا أن لديهم 18 صفا من القوزاق , و سبعة أخرى من الـ (هايداماك) , و أن أحدا ليس بوسعه وقفهم , و هكذا أنتهت المفاوضات إلى لا شيء .

و قد قوبل أول قطار للقوزاق حاول الإختراق بإطلاق نار كثيف , فحاول التراجع فجأة , مما تسبب في تصادمه مع القطار القادم من خلفه , فتحطما , مع خسائر في الرجال و الخيول . و سرعان ما وصل وفد من القوزاق طالبين الهدنة , و استسلموا للجنة الثورية في (ألكسندروفسك) , و تخلوا عن أسلحتهم , لكنهم أصروا على الإحتفاظ بالخيول و السروج لأسباب « ثقافية » .

و قد أخذ نزع سلاح القوزاق عدة أيام , حاول خلالها الساسة المحليين كسبهم إلى جانب الثورة . و كان الآلاف من القوزاق يقفون في الهواء الطلق بينما عدد من الخطباء الإشتراكيين يلقون عليهم خطبا , دون جدوى تقريبا , إذ وقف القوزاق يدخنون , و يضحكون أحيانا على الخطيب .

ثم صعدت (ماريوسيا) إلى المنصة و بدأت تتكلم . و هنا بدأ القوزاق في الإهتمام . قالت :  » أيها القوزاق , إنكم اليوم جزاري العمال الروس . فهل سيستمر هذا في المستقبل , أم تنزاح الغشاوة عن أعينكم , فتنضموا إلى صفوف المظلومين ؟ إنكم لم تظهروا إلى الآن أدنى إحترام للعمال الفقراء. بل إنكم مقابل روبل قيصري أو كأس من نبيذ قد سمّرتموهم على الصليب  » .

و إذ واصلت (ماريوسيا) في هذا السياق , كان الكثير من القوزاق يخلعون قبعاتهم و يحنون رؤوسهم . و سرعان ما بدأ بعضهم يبكي كالأطفال .

كانت أزمة النخبة في (ألكسندروفسك) هي مواجهة الحشود . و قد قال بعضهم لبعض :  » إن الخطب التي ألقاها ممثلي كتلة اليسار كانت باهتة جدا بالمقارنة بالخطب التي ألقاها الأناركيون . و على وجه الخصوص , بخطاب (م نيكيفوروفا)  » .و كانت نتيجة هذه الإجتماعات التي استمرت أياما , أن ظل عدد من القوزاق على أتصال بأناركيي (جولياي بول) , حتى بعد أن عادوا إلى ديارهم في (كوبان) Kuban و غيرها .

بعد أن تم نزع سلاح القوزاق , عاد (ماخنو) و (ماريوسيا) إلى واجباتهم في لجنة (ألكسندروف) الثورية . حيث تم تكليف (ماخنو) بمهم قذرة , هي ترأّس المحكمة التي ستنظر في أمر مختلف السجناء السياسيين الذين تم جمعهم من قبل النظام السياسي الجديد . و من بين هؤلاء السجناء , كان (ميخنو) المفوض السابق من قبل الحكومة المؤقتة , و الذي هدده مرارا , و قام بسجن (ماريوسيا) , و قد أصدر (ماخنو) قرارا بإطلاق سراحه , قائلا : أنه رجل صادق , كان ينفذ الأوامر فقط .

لكن (ماخنو) لم يكن بنفس رحابة الصدر مع سجين آخر , هو المدعي العام السابق (ماكسيموف) . و الذي كان حريصا قبل سنوات عدة , عندما كان (ماخنو) سجينا في سجن (ألكسندروفسك) , أن يجعل إقامته غير سارة قدر الإمكان . و إعتمادا على الأدلة المقدمة ضده , رأى (ماخنو) أن هناك مبرر للحكم على (ماكسيموف) بالإعدام رميا بالرصاص . لكن أعضاء آخرين في اللجنة الثورية Revkom , و من ضمنهم (ماريوسيا) تدخّلوا . و على الرغم من موافقتهم على أنه كان معاديا للثورة , إلا أن النظام الجديد , كان لا يزال هشا جدا , بحيث لا يمكنه إعدام أي شخص له أعتباره في المدينة . و لم يستسلم (ماخنو) بسهولة , فوافق بعد ليلة طويلة من الإجتماعات على حبس (ماكسيموف) إحتياطيا , لإجراء المزيد من التحقيقات في قضيته .

و سرعان ما أكتفى (ماخنو) من لجنة (ألكسندروفسك) الثورية , و كان من بين أمور أخرى رفض اللجنة السماح له بتفجير السجن , و هكذا قرر العودة إلى (جولياي بول) مع مفرزته . و قد ذهب أعضاء اللجنة الثورية الآخرين إلى محطة القطار لتوديعهم , و قد ذهب معظمهم في سياراتهم , بينما ذهبت (ماريوسيا) على ظهر حصان . و في المحطة , غنت المفرزة , ترنيمة حرب أناركية , ثم غادرت .

كان بإمكان (ماريوسيا) أن تنسحب بمفرزتها من الحرس الأسود , و تبدأ العمل كقائدة عسكرية مستقلة . عند هذه النقطة , بدأت (ماريوسيا) تصبح لاعبا على الساحة القومية , بدلا من كونها مجرد شخصية محلية .
__________________________________________

أخوية النضال الحر (دروزينا) Druzhina

بعد وقت قصير من عودة (ماخنو) إلى (جولياي بول) , أقترحت (ماريوسيا) عملا مشتركا لفيدرالية (ألكسندروفسك) مع المجموعة الأناركية الشيوعية في (جولياي بول) , بهدف الإستيلاء على المزيد من الأسلحة . و كان الهدف هو الكتيبة المرابطة في (أوريخوف) , حيث حقق الأناركيون نجاحا في وقت سابق . و كان جنود الكتيبة , و هي جزء من فوج (بيردياسك) Berdyansk الثامن و الأربعين , منقسمين ما بين مركزية (رادا) الأوكرانية , و الجنرال (كاليدن) . و مرة أخرى كانت العملية ناجحة . و كان القائد البلشفي الإقليمي , (بوجدانوف) Bogdanov , منتشيا بالإستيلاء على الأسلحة , التي شملت بعض مدافع الهاون . و يبدو أنه كان يفترض أنه بكون (ماريوسيا) نائبة لرئيس اللجنة الثورية في (ألكسندروفسك) , فإن الأسلحة في نهاية المطاف ستكون تحت تصرفه . لكن الأسلحة جميعها أنتهت إلى (جولياي بول) . و كان هذا نهاية ولاء (ماريوسيا) لسلطات كتلة اليسار . و من الآن فصاعدا , ستتصرف (ماريوسيا) بشكل مستقل تماما .

و كان قائد القوات السوفياتية في أوكرانيا , (فلاديمير أنتونوف – أوفسيينكو) Vladimir Antonov-Ovseyenko واحدا من البلاشفة القلائل الذين أنتظموا في أكاديمية عسكرية . و كان لـ (ماريوسيا) حظوة كبيرة عنده , لأنها ساعدت على تأسيس السلطة السوفياتية في ثلاث مدن أوكرانية هامة . و كان قد عيّنها قائدة لتشكيلات مفارز الفرسان في السهوب الأوكرانية , و خصص لها مبلغا كبيرا من المال , لتجهيز ما يسمى بـأخوية النضال الحر Free Combat Druzhina . و كانت (ماريوسيا) المرأة الوحيدة القائدة لقوات ثورية كبيرة العدد في أوكرانيا .. كانت (آتامانشا) ..

و قد تم تجهيز الـ (دروزينا) باثنين من المدافع الكبيرة , و عربة نقل سكك حديدية مدرعة . و قد تم تحميل عربات القطار بالعربات المدرعة , و الـ (تاتشانكا) tachanka , و الخيول , و شحنت بالقوات بالطبع , و التي لم تكن بأي حال من الأحوال مقتصرة على خطوط السكك الحديدية . و قد زينت القطارات لافتات كتب عليها :  » تحرير العمال هو شأن العمال  » ,  » عاشت الأناركية  » , السلطة تلد التطفل  » , و  » الأناركية هي أم النظام  » .

كان الجنود يحصلون على غذاء و معدات أفضل بكثير من وحدات الجيش الأحمر . و على الرغم من عدم وجود زي رسمي , فقد كان لدى الجنود بدون شك , شعور بالأناقة , بشعورهم الطويلة , غير الشائعة في ذلك الوقت , و قبعات من جلد الغنم , و سترات الضباط , و أحزمة الذخيرة الكثيرة . و قد تألفت الـ (دروزينا) من مجموعة أساسية من المسلحين على ولاء لـ (ماريوسيا) , و مجموعة اكبر تأتي و تذهب على غير أساس نظامي إلى حد ما . كما أشتملت على عدد لا بأس به من بحارة البحر الأسود . و قد اشتهرت بكفاءتها القتالية في جميع أنحاء أوكرانيا .

كانت طوابير (ماريوسيا) تشبه القراصنة القدامى , بمدافعها و أعلامها السوداء . و قد وصفها أحد المراقبين , الإشتراكي الثوري (إ ز شتاينبرج) I. Z. Steinberg , بسفينة الهولندي الطائر , تظهر في أي وقت , و في أي مكان .

و في يناير 1918 , لاقت طوابير الـ (دروزينا) الحرس الأبيض , و مركزية رادا الأوكرانية .

و قد شارك الأناركيون في تأسيس السلطة السوفياتية في شبه جزيرة القرم . و أستولت الـ (دروزينا) و مفرزة أناركية أخرى على مدينة (يالطة) Yalta و نهبوا قصر (ليفاديا) Livadia Palace . و قتل عشرات الضباط . ثم توجهت (ماريوسيا) إلى (سيفاستوبول) Sevastopol , حيث كان ثمانية من الأناركيين يقبعون في السجن . و قد أفرجت السلطات البلشفية عن السجناء دون أنتظار الـ (آتامانشا) . و قد قضت (ماريوسيا) بعض الوقت في مدينة (فيودوسيا) Feodosia , حيث جرى أنتخابها للسلطة التنفيذية في السوفيات الفلاحي , و حيث قامت بالمزيد من تنظيم الحرس الأسود .
__________________________________________

معارك (إليزافيتجارد) Elizavetgrad

في 28 يناير 1918 , ظهرت الـ (دروزينا) في (إليزافيتجارد) , و هي مدينة مهمة في جنوب وسط أوكرانيا . و سمح وجودها للمنظمة البلشفية المحلية بالاستيلاء على سوفيات المدينة في أنقلاب غير دموي , و الإطاحة بالإشتراكيين الثوريين الأوكرانيين و الديموقراطيين الدستوريين (الكاديت) Kadets , و إعداد اللجنة الثورية الخاصة بها .

و سرعان ما أنخرطت (ماريوسيا) في صخبها المعتاد . فأستمعت إلى العديد من الشكاوي بخصوص المفوض العسكري المحلي , العقيد (فلاديميروف) , فذهبت إلى مقر إقامته , حيث أطلقت عليه الرصاص . ثم قامت بتنظيم نهب منظم لمتاجر المدينة , و وزّعت السلع على الفقراء . و إذ لاحظت أن الناس تنتهي إليها أشياء لم يكونوا في حاجة إليها , فقد أذنت بمقايضة السلع , رغم أن هذا كان ممنوعا صراحة من قبل الـ (ريفكوم) Revkom البلشفية . ثم أجتمعت (ماريوسيا) باللجنة الثورية و أبدت إعتراضها الحاد على أنشطتها . و على ما أسمته  » تسامح أعضاءها تجاه البورجوازية  » . و قالت أنها تفضل مصادرة لا ترحم لجميع الممتلكات التي تم أكتسابها من خلال عمل الآخرين , مع الرد العنيف على أي محاولة للمقاومة . و كان الإنتماء إلى طبقة المستغلين جريمة في حد ذاته , وفقا لـ (ماريوسيا) , بما في ذلك أعضاء من اللجنة الثورية في هذه المجموعة . و هددت بتفكيك اللجنة و إطلاق النار على رئيسها لو تم الإعتراض على الـ (دروزينا) بأي شكل من أشكال الحكومة , لأنها لم تطح بالسوفيات , لتحل محله تنظيما بيروقراطيا آخر .

و قد أنزعجت الإدارة البلشفية في المدينة للغاية بهذا الكلام , و جاء ردها بطريقة بيروقراطية نموذجية , إذ تم تشكيل  » لجنة لتنظيم العلاقات مع (ماريوسيا)  » . و قد زارت هذه اللجنة (ماريوسيا في مقرها , و طلبت منها بأدب مغادرة المدينة , مع الإشارة أن اللجنة قد نظّمت قوات مسلحة كبيرة العدد . و لم يؤثر هذا التهديد في (ماريوسيا) , لكنها غادرت بعد بضعة أيام بعد أن تزودت بالسلاح من كلية الضباط المحلية , التي أنضم طلابها إلى الـ (هايداماك) .

و في التاسع من فبراير 1918 , تم توقيع معاهدة سلام , بين مركزية رادا الأوكرانية , و بين السلطات المركزية . كانت جيوش كتلة اليسار قد أستولت على الإقليم , و كان أحد أحكام المعاهدة , يسمح للقوات الإمبرالية الألمانية و النمساوية – المجرية , بإقامة « النظام » على الأراضي الأوكرانية . و من ثم , غزت القوات الألمانية و النمساوية – المجرية , أوكرانيا , و بمساعدة الـ (هايداماك) من مركزية رادا , شرعت في دفع القوى الثورية للتراجع , و في عمليات للتخلص منها .

في هذه الأثناء , كانت هناك مأساة تحدث في (إليزافيتجارد) . فقد تعرضت المدينة لكامل أهوال الحرب الأهلية . و مع أقتراب القوات الألمانية من المدينة , بدأ البلاشفة يجلون قواتهم و يخلون المؤسسات على عجل , تاركين فراغا في السلطة . و في اليوم التالي لمغادرة اللجنة الثورية Revkom , ظهرت فجأة حكومة جديدة أطلقت على نفسها لجنة الثورة المؤقتة VKR . و كان أعضاء هذه الحكومة من السوفيات الذي سبق الإطاحة به . و تم إعتقال البلاشفة في المدينة . و مع إدراك السلطات المحلية الجديدة لحاجتها إلى القوة العسكرية لحمايتها من القوات البلشفية المتراجعة , فقد قامت بتجنيد الضباط الذين كانوا مختبئين , و بتمشيط الأرياف لإستعادة الجنود . كما تم تجنيد الفلاحين من القرى القريبة و تم الإستيلاء على عرباتهم . و تم توفير السلاح لأي شخص أظهر استعدادا لقتال كتلة اليسار و حلفائها .

و بشكل غير متوقع , عادت الـ (دروزينا) إلى المدينة , و كانت مفرزة (ماريوسيا) بكامل قوتها و أسلحتها , و قد شملت خمسة عربات مدرعة . و مرت عدة أيام من السلام بين السلطات المدنية الجديدة و بين الأناركيين . ثم أستولى الأناركيون على محطة السكك الحديدية , و أزعجوا المواطنين بأغانيهم الأناركية . و أرسل الأناركيون شاحنة , بصورة يومية , لجمع « التبرعات » من البورجوازيين . بينما ظل البلاشفة في السجن .

ثم أندلعت الأزمة . إذ تمت عملية سطو ضخمة في مصنع (إلفورتا) Elvorta , و سرق نحو 40 ألف روبل , من مكتب المرتبات , و لم يتبق شيء لمرتبات العمال . و أنطلقت الشائعات بمسئولية الأناركيين عن هذه السرقة , بهدف الانتقام من المدينة لسجنها البلاشفة . فقررت (ماريوسيا) الذهاب إلى المصنع بنفسها , و شرح الوضع للعمال , الوضع الذي كانت تعتبره استفزازا واضحا من قبل عناصر يمينية .

و كانت قاعة الإجتماعات في المصنع تفيض بمن فيها , عندما وصلت (ماريوسيا) , و كان عدد العمال في المصنع نحو خمسة آلاف عامل . و قد تركت موافقيها عند الباب , و دخلت القاعة وحدها , و أعتلت المنصة . لكن لم يسمح لها بإستخدام مهاراتها الخطابية , إذ لم ينقطع الصراخ و الشتائم . و مع غضبها من عدم السماح لها بالكلام , سحبت (ماريوسيا) مسدسين من حزامها , و أطلقت النار في الهواء , فوق رؤوس الجمهور . فساد الذعر , و حطم الناس الأبواب و قفزوا من النوافذ المكسورة . و هرع رفاق (ماريوسيا) إلى داخل القاعة و استنقذوها . و في طريق العودة تم إطلاق النار على سيارتها , و أصيبت بجروح طفيفة .

و أنطلقت صفارات الإنذار في المدينة , و تقدمت ميليشيات الحكومة الجديدة نحو محطة القطار . و استمر قتال الشوارع لعدة ساعات , و كان هناك العديد من الضحايا , إذ دافع الأناركيون عن أنفسهم بالمدافع الرشاشة و القنابل اليدوية . لكن مع تفوق المهاجمين العددي , اضطرت (ماريوسيا) للانسحاب إلى السهوب , و توقفت في (كانوتوفر) Kanatovo المحطة الأولى على خط السكة الحديدية . و مع إدراكها أن بعض جنودها قد وقعوا في الأسر , فقد عزمت على العودة لإنقاذهم .

و أخيرا , وصلت القوات البلشفية من الجبهة , بقيادة (ألكسندر بيلينكوفيتش) Aleksandr Belenkevich , و هو ضابط ذو رتبة عالية , و طولبت المدينة بالإستسلام , فقوبل الطلب بالرفض , فتقدمت القوات بجرأة إلى وسط المدينة , حيث تعرضت للهجوم من كافة الجوانب . و بعد معركة استمرت نحو ثلاثة ساعات , كانت وحدة (بيلينكوفيتش) قد محيت تماما , و وقع العديد من جنوده في الأسر . و بالكاد نجا (بيلينكوفيتش) نفسه بالقطار . و بدأت سلطات المدينة في إعدام بعض السجناء . و كان اثنان من الجنرالات المتقاعدين يقودون القوات الآن .

و تقدمت (ماريوسيا) نحو المدينة , على طول خط السكك الحديدية من الشمال , لكنها قابلت مقاومة في الضواحي فترجلت من القطار . و كانت الحكومة المحلية الجديدة VKR , تجند الآن آلافا من الجنود , تحت شعار  » فلتسقط الفوضى !  » , و كانوا مسلحين بالمدفعية الثقيلة و الخفيفة على حد سواء , و بالرشاشات , و كان لديهم ثلاث طائرات . و من أجل تأجيج السكان , انتشرت شائعة بأن (ماريوسيا) تنهب أيقونات الكنائس . و تم تصويرها كزعيمة لعصابة من اللصوص .

و جرت حرب استنزاف خارج المدينة على مدى عدة كيلومترات . و استمرت المدافع الرشاشة و نيران المدفعية دون توقف . و أمد (ماكييف) Makeyev , صاحب معمل التقطير , القوات المدافعة , بكميات غير محدودة من المشروبات الروحية . و لضمان استمرار الامدادات للمدفعية , كانت المدينة تمشط بحثا عن المتهربين , الذين كان يتم إجبارهم على الذهاب للجبهة , و كان هناك خطين من الخنادق , و كان يعمل بالخط الخلفي ضباط بمدافع رشاشة , لمنع أي تراجع .

و خلال يومي 24 و 25 فبراير 1918 , كانت المعركة عبارة عن كر و فر . و في 26 فبراير , تلقت (ماريوسيا) تعزيزات كبيرة , على شكل مفرزة من الحرس الأحمر , من مدينة (كامينسك) Kamensk , و تتألف من ألف عامل و مدافع رشاشة و مدافع خفيفة .

على أن هذا الحرس الأحمر لم يبل بلاء حسنا في المعركة , و خسروا مدفعيتهم و مدافعهم الرشاشة , و سقط 65 منهم في الأسر . في الوقت الذي استفادت فيه مدفعية المدافعين من استطلاع الطائرات , التي كانت تلقي أيضا بالقنابل . و فشل هجوم الأناركيين على خنادق العدو . و أجبروا على التراجع إلى محطة (زنامنكا) Znamenka . و هناك حصلوا على المزيد من التعزيزات , مفرزة أخرى تحت قيادة العقيد الإشتراكي الثوري (مورافييف) , و الذي كان قد استولى على كييف قبل أيام , من مركزية رادا لصالح كتلة اليسار .

ثم أعلنت سلطات الـ VRK في المدينة ولائها لمركزية رادا , و أرسلت مبعوثيها لطلب المساعدة من القوات الألمانية الأوكرانية القريبة . لكن أوان ذلك كان قد فات . فبمحاربتهم (ماريوسيا) في الشمال , تركت الـ VRK جنوب المدينة دون حماية . إذ أقتحم المدينة قطار مصفح يدعى « الحرية أو الموت » , تحت قيادة البحار البلشفي (بوليبانوف) Polypanov . و فرت الوحدات المكلفة بحراسة المدينة , دون قتال . و توجه البحارة مباشرة إلى سلطات الـ VRK مطالبين بالإفراج عن جميع السجناء , بمن فيهم جنود (ماريوسيا) , فاضطرت الـ VRK للامتثال . و هكذا وجدت قوات الـ VRK المتمركزة في شمال المدينة , أن المدينة فعليا في يد البلاشفة .

و هكذا دخل (مورافييف) و (ماريوسيا) المدينة . و كان هناك المزيد من السلب و النهب , و هذه المرة لم يكن من قبل الأناركيين وحدهم . و على الرغم من ذلك لم يكن هناك عمليات أنتقام جماعية . و قد صرّح (بوليبانوف) في لقاء جماهيري أن المعركة التي دامت ثلاثة أيام كانت نتيجة لسوء الفهم . و ظل الحمر في السلطة في (إليزافيتجراد) حتى ليلة 19 مارس 1918 , عندما اضطروا للانسحاب من المدينة , و بعد ثلاثة أيام وصل أول قطار ألماني .

قدمت معارك (إليزافيتجارد) صورة نموذجية للحرب الأهلية في أوكرانيا , معارك يائسة بين فريقين متعارضين من المتعصبين , مع طرف ثالث أكثر قوة يحصل على الغنائم . و كان مقدرا أن تتداول (إليزافيتجارد) العديد من الأيادي قبل أن تسقط في النهاية في يد البلاشفة .
__________________________________________

التراجع الطويل

حاولت كتلة اليسار تنظيم المقاومة ضد القوات الألمانية , باسم الحكومة العميلة التي وضعتها في (خاركوف) Khar’kov , لكنها كانت منافسة غير متكافئة للغاية , فبمقارنة الأعداد وحدها , بلغ مجموع الجيوش الألمانية و حلفائها ما بين 400 ألف و 600 ألف جندي , مقابل نحو 30 ألف جندي لكتلة اليسار , بما في ذلك عدة آلاف في مفارز الأناركيين . و مع ذلك كانت المقاومة في أوكرانيا أكبر من وصفها بالرمزية , و قد استغرق احتلال أوكرانيا من قبل القوى المركزية , القسم الأكبر من ربيع 1918 .

توقفت الـ (دروزينا) في بلدة (بيريكوفكا) Berezovka , جنوبي أوكرانيا , و حاولت ابتزاز مبلغ كبير من المال من الأهالي , لكن المقاومة جاءت من مصدر غير متوقع , مفرزة أناركية منافسة , يقودها (جريجوري كوتوفيسكي) Grigori Kotovsky , الذي كان رجل عصابات حقيقي قبل الثورة , يقود عصابة متخصصة في عمليات السطو المسلح و الابتزاز . و قد أنقذته الثورة من الإعدام . و قد أصرّ (كوتوفيسكي) على ألا تحصل (ماريوسيا) على كوبيك واحد . و لما كانت قوة نيرانه متفوقة , فقد اضطرت (ماريوسيا) إلى التراجع .

ترجلت الـ (دروزينا) الآن عن القتال , و تنقلت عبر البلاد كوحدة من سلاح الفرسان . و كانت المفرزة تعطي أنطباعا قويا بخيولها المرتبة حسب ألوانها : صف من الخيول السوداء , فصف من الخيول الكستنائية , فصف من الخيول البيضاء , و هكذا .. و في المؤخرة كان لاعبي الأكورديون يجلسون في الـ (تاتشانكا) وسط السجاد و الفراء . و كانت (ماريوسيا) نفسها تمتطي جوادا أبيض اللون , و قد تزيا العديد من الجنود بملابس جلدية , بينما احتفظ البعض الآخر بزي البحارة . و لطالما أثارت الـ (دروزينا) حسد الحرس الأحمر , الذي كان ينعتهم بـ « فرح الكلب » , و بما هو أسوأ .

و قد تم تنظيم إجتماع للمفارز الحمراء المتراجعة , في ضيعة ضخمة , بالقرب من قرية (بري أوبرازينكا) Preobrazhenka . و عندما وصلت (ماريوسيا) , وجدت القائد الأحمر (إيفان ماتفييف) Ivan Matveyev قد تولى القيادة . و تم استدعائها لمكتبه , حيث أعلنت عن استعدادها لطاعة أوامره , حتى تصل بقية المفارز , و يتضح من معه معظم الناس .

و كان كل همها , كما قالت لـ (ماتفييف) , هو توزيع الأشياء التي وجدت في الضيعة , بدءا من الملابس . و كانت قد قامت بالفعل بإجراء جرد للثياب و السترات و التنانير المعلقة في الخزائن الضخمة . و قالت :  » إن ما لدى البومشتشيك pomeshchik – ملاك الضياع – لا يخص أي فصيل معين , بل هو ملك للشعب كله , و أن على (ماتفييف) أن يدع الناس تأخذ ما تريد  » .

فأنزعج (ماتفييف) بشكل واضح , و أعلن رفضه من حيث المبدأ مناقشة « الخرق » . و هكذا تركته (ماريوسيا) خارجة , وصفقت الباب خلفها .

قرر البلاشفة نزع سلاح الـ (دروزينا) , قبل أن يظهر المزيد من الأناركيين . فدعوا إلى إجتماع عام لجميع المفارز , بهدف أعتقال الأناركيين و نزع سلاحهم . و كان الإجتماع ضخما في وسط الضيعة في الهواء الطلق . و حضرت (ماريوسيا) مع بعض , و ليس كل قواتها . و بدأ البلاشفة بالحديث عن ضرورة الوحدة و الانضباط . و عندما بدأ أحد المتحدثين في الشكوى من الأناركيين , أعطت (ماريوسيا) الإشارة لرفاقها للمغادرة . و عندما أصدر البلاشفة في النهاية أمرا بإعتقال الأناركيين , كانوا قد تسللوا بالفعل بعيدا عن الضيعة مع الخيول و الـ (تاتشانكا) .

و ببلوغ الـ (دروزينا) خط السكك الحديدية , وضعوا عربة النقل عليها , و قررت (ماريوسيا) العودة إلى مدينتها (ألكسندروفسك) , في محاولة للدفاع عنها ضد الغزاة الألمان . و كانت المدينة غاصّة بالمفارز الحمراء المتراجعة . و كانت العلاقة بين الأتحاد الأناركي و البلاشفة تنهار سريعا , خلال الأسابيع الأخيرة . و مع ذلك , كان البلاشفة سعداء لرؤية (ماريوسيا) بسبب سمعتها كمحاربة .

و في 13 أبريل 1918 , أستطاع رماة (زيش) Sich الأوكرانيين , أقتحام المدينة , و الاستيلاء على محطة السكك الحديدية , و عثر في مستودع قريب على جثة امرأة شابة , ترتدي لباسا جلديا , و سرت الشائعة فورا في المدينة , بأن (ماريوسيا) الشهيرة قد قتلت . و الحق أن (ماريوسيا) قد شاركت في المعركة , و كانت على قيد الحياة جدا . و في اليوم التالي تم طرد الرماة من المدينة , و أجبروا على الهروب عبر الـ (دنيبر) في قوارب .

قسم من فرقة الرماة الأوكرانية

و في 18 أبريل أستطاع الألمان أخيرا دخول (ألكسندروفسك) , و كانت الـ (دروزينا) آخر مفرزة , تغادر المدينة المنكوبة .

و بالإتجاه شرقا , توقفت الـ (دروزينا) في محطة (تساري كونستانتينوفكا) Tsarekonstantinovka , حيث أسرعت (ماريوسيا) إلى (نستور ماخنو) . و كان أنقلابا عسكريا قوميا في (جولياي بول) قد أدى إلى إلقاء القبض على اللجنة الثورية (ريفكوم) و السوفيات المحليين , بينما كان (ماخنو) غائبا . و أقترحت (ماريوسيا) مهمة إنقاذ , لكنها كانت تعرف أنها لن تستطيع تحقيقها وحدها , فأبرقت إلى البحار (بوليبانوف) , الذي رفض المهمة , و كذلك رفض البحار (ستيبانوف) Stepanov , الذي كان يمر عبر المحطة مع قطار محمل باللاجئين . و أخيرا أنضمت إلى مفرزة من الحرس الأحمر السيبيري بقيادة (بترينكو) . و كان لدى (ماريوسيا) بضعة سيارات مدرعة , اقترحت استخدامها كرأس حربة للهجوم , و كانت (جولياي بول) على بعد ثمانية كيلو مترات من أقرب محطة قطار . و إذ وصل إلى أسماعها أن الألمان قد احتلوا (بولوجي) Pologi , و هي قرية تقع على الخط الذي تحتاجه للوصول إلى (جولياي بول) , فقررت التخلي عن خطتها , و الاستمرار في الانطلاق إلى الشرق ..
__________________________________________

محاكمة في (تاغانروك) Taganrog

توجهت المفارز البلشفية و الأناركية , في الضفة اليسرى (الشرقية) الأوكرانية , إلى (تاغانروك) Taganrog , على بحر (آزوف) , المقر الجديد للحكومة الأوكرانية السوفياتية الهاربة . و لم يكن لدى البلاشفة أي أمل في الإحتفاظ بأي جزء من أوكرانيا , و بالتالي لم تعد القوات الأناركية ضرورية . كما أن تحريض الأناركيين الدائم ضد سياسات دولة الأحزاب , كان عائقا أيديولوجيا دائما بالنسبة لهم .

و كانت السلطات في (موسكو) قد بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات للتخلص من حلفائها المبغضين . إذ تم حظر الإتحاد المجموعات الأناركية في موسكو في 12 أبريل 1918 , و تم أعتقال نحو 400 شخص . و تناولت الدعاية الحدث على أنه عمل من أعمال الشرطة ضد عناصر إجرامية , لا عملا من أعمال المنافسة السياسية . و كان الأناركيون في روسيا أضعف من أن يواجهوا هذا العمل , أما أوكرانيا فكانت قصة مختلفة .

بوصولها إلى (تاغانروك) , وجدت (ماريوسيا) نفسها متهمة بترك الجبهة , ضد الألمان , دون إذن . و وقعت مهمة إعتقالها , و نزع سلاح الـ (دروزينا) على عاتق وحدة من الحرس الأحمر بقيادة (كاسكين) Kaskin . و تم اعتقال (ماريوسيا) في مبنى اللجنة التنفيذية المركزية لأوكرانيا . و لدى خروجها من المبنى , وجدت نفسها وجها لوجه مع البلشفي المعروف (ف زاتونسكي) V. Zatonsky , فسألته عن سبب إعتقالها , فأجابها بأنه ليس لديه أية فكرة , فبصقت في وجهه , و وصفته بأنه كذاب منافق .

و لم يمر نزع سلاح الـ (دروزينا) بسلالة أيضا . إذ رفضت القوات الامتثال لـ (كاسكين) و طالبوا بمعرفة المكان الذي تحتجز فيه (ماريوسيا) , كما طالب أتحاد (تاغانروك) الأناركي , و المفارز الأناركية التي كانت لا تنفك تأتى , البلاشفة بتبرير أفعالهم . و حتى الجناح اليساري من الإشتراكيين الثوريين , أيدوا الأناركيين .

و قد أرسل القائد العام للقوات المسلحة البلشفي (أنتونوف أوفسيينكو) , برقية دعم إلى الأناركيين , جاء فيها :  » إن مفرزة (ماريا نيكيفوروفا) , و الرفيقة (نيكيفوروفا) نفسها , معروفين جيدا بالنسبة لي , و بدلا من قمع مثل هذه التشكيلات الثورية , ينبغي أن ندعمها  » . كما وردت برقيات دعم أخرى من عدد من قادة الحرس الأحمر . و أنطلق إلى (تاغانروك) قطار مدرع , تحت قيادة الأناركي (جارين) Garin , و هو صديق شخصي لـ (ماريوسيا) .

و كانت التهمة الأساسية التي وجهها البلاشفة لـ (ماريوسيا) , هي نهب (إليزافيتجارد) قبل و بعد الانتفاضة اليمينية فيها . إلى جانب تهمة رئيسية أخرى هي الفرار من الجبهة , على الرغم من أن قوات (كاسكين) قد غادرت الجبهة فعليا قبل أن تفعل (ماريوسيا) . و كان الأناركيون غاضبون من غدر البلاشفة الذين استغلوهم في الخطوط الأمامية من الحرب الأهلية , ثم طعنوهم من الخلف في خطوطها الخلفية .

و انعقدت  » محكمة الشرف الثوري  » في أواخر إبريل 1918 , و تألفت من اثنين من البلاشفة المحليين , و اثنين من الاشتراكيين الثوريين المحليين , و ممثلين اثنين عن حكومة كتلة اليسار في أوكرانيا . و قدّم البلاشفة سلسلة من الشهود , الذين اتهموا (ماريوسيا) بارتكاب جرائم تصل عقوبتها إلى الإعدام . و كان هناك أيضا العديد من شهود الدفاع في قاعة المحكمة المكتظة , و أناس يشككون في شهادة شهود الإدعاء , و يشيدون بخدمات (ماريوسيا) للثورة . و قد علّق الأناركي (جارين) بأن (ماريوسيا) كانت تعتقد بعدالة المحكمة الثورية , و أضاف :  » أما أنا فلو شككت في عدالتها , فستقوم مفرزتي بتحريرها بالقوة  » .

في النهاية , تمت تبرئة (ماريوسيا) من جميع التهم التي نسبت إليها , و أعيد تسليح الـ (دروزينا) . و رتّب كل من (ماخنو) و (ماريوسيا) , الذي كان موجودا هو الآخر في (تاغانبروك) , سلسلة من المحاضرات في المسرح المحلي , و أماكن العمل المختلفة , بعنوان : ضد الجيش الألماني – النمساوي على الخطوط الأمامية , ضد السلطات الحكومية على الخطوط الخلفية , و أصدرا معا منشورا في هذا الصدد .

ثم أنفصل (ماخنو) و (ماريوسيا) , و قد قرر (ماخنو) و غيره من اللاجئين , من (جولياي بول) العودة إلى ديارهم , و بدء الكفاح ضد الألمان و مركزية رادا . و انضم بعض هؤلاء اللاجئين من (جولياي بول) إلى الـ (دروزينا) . و ألجأ الضغط الألماني البلاشفة و الأناركيين , بعد قليل , على التراجع إلى (روستوف) على نهر الـ (دون) . و جمع الأناركيون وثائق قيّمة من البنوك المحلية , سندات و معاملات و اتفاقات قروض , و أحرقوها في الساحة العامة , و لاحظ الساخرون أن النقود الورقية قد نجت من المحرقة .

و يصف شاهد عيان مجموعة (ماريوسيا) :  » كانوا مثل الإسبان بشعورهم الطويلة و أغطية رؤوسهم السوداء …. و يتدلى زوج من المسدسات الكبيرة من أحزمهم , و كانوا يحملون قنابل يدوية في جيوبهم , وارتدى صغار السن منهم سراويل تتسع فيما تحت الركبة و أساور ذهبية … « 

و في النهاية , تم إيقاف التقدم الألماني و وصل التراجع الطويل إلى نهايته . لكن البلاشفة أيضا وصلوا إلى مقاطعات لديهم فيها كثرة من الأعداد , و أصبح بإمكانهم نزع سلاح الأناركيين بأمان . و رأت (ماريوسيا) ما هو آت , و نجت من الفخ . و أنطلقت الـ (دروزينا) في رحلة محفوفة بالمخاطر عبر منطقة الـ (دون) , على طول خط السكك الحديدية الذي يسيطر عليه جزئيا القوزاق البيض , وصولا إلى المدينة الروسية (فورونيز) Voronezh , حيث كان يجري تشكيل جبهة جديدة .

و من الصعب متابعة أنشطة (ماريوسيا) خلال الأشهر القليلة المقبلة . و يبدو أن الـ (دروزينا) قد زارت عددا من المدن الروسية على مقربة من الحدود الأوكرانية . و الحق أن الإحتلال الألماني لأوكرانيا قد جعل من المستحيل على (ماريوسيا) الاستمرار في نشاطها فوق الأراضي الأوكرانية .

و من ناحيتهم , فقد وجدت الإمبريالية الألمانية أن مركزية رادا راديكالية أكثر من اللازم بالنسبة لمتطلباتهم , فاستعاضت عنها بحكومة (شوروبادسكي) Skoropadsky العميلة . على أنه بحلول نوفمبر 1918 , كانت ألمانيا قد خسرت الحرب . و كجزء من الهدنة , طلب من الألمان إخلاء أوكرانيا . فأنهارت حكومة (شوروبادسكي) سريعا , و حلت محلها حكومة (الدليل) و هي جماعة قومية أكثر راديكالية , يقودها (سيمون بيتلورا) Simon Petliura . و هكذا أصبحت أوكرانيا مرة أخرى عرضة للغزو البلشفى من جديد , و عاد قطاع الطرق من أمثال (ماريوسيا) و المتمردين الفلاحيين من أضراب (ماخنو) للظهور من جديد .

و في خريف 1918 , كانت الـ (دروزينا) جزءا من قوة ضاربة تشكلت من قوات مختلطة , أستطاعت الاستيلاء على (أوديسا) Odessa من البيض , الذين استولوا على المدينة في ظلل فراغ السلطة الناجم عن انسحاب الألمان . و هناك أحرقت (ماريوسيا) سجن (أوديسّا) . على أن الاستيلاء على (أوديسا) لم يدم طويلا , إذ لم يلبث البيض أن أستعادوها , بدعم من قوات الحلفاء , الفرنسية و الألمانية .
__________________________________________

محاكمة في (موسكو)

ثم أنطلقت (ماريوسيا) إلى مدينة (ساراتوف) Saratov الروسية , و كانت ملجأ مؤقتا لكثير من الأناركيين الأوكرانيين اللاجئين . و هناك ألقي القبض عليها بأمر من مجلس السوفيات المحلي , و تم نزع سلاح الـ (دروزينا) . و كان بالإمكان , خلال الإرهاب الأحمر الذي أشعله محاولة إغتيال (لينين) من قبل الإشتراكيين الثوريين , إعدام (ماريوسيا) رميا بالرصاص , دون محاكمة . لكن السلطات المحلية أحجمت عن إطلاق النار على « بطلة الثورة » و التي ربما كانت تعرف (لينين) في باريس , قبل الثورة .

و هكذا تم نقل (ماريوسيا) إلى (موسكو) , حيث تم إيداعها في سجن (بوتيريكي) Butyrki حيث أمضى (ماخنو) من قبل عدة سنوات , و سرعان ما تم إطلاق سراحها بكفالة , لأنها كانت لا تزال تحتفظ بأصدقاء ذوي مكانة عالية . و قد ضمن كل من الأناركي (كارلين) Karelin , و البلشفي (أنتونوف أوفسيينكو) حسن سلوكها . كما كان زوجها الأناركي البولندي (بزوستيك) في موسكو أيضا . و كان لديه , كغيره من سكان الإمبراطورية الروسية السابقين , أوراق أعتماد ثورية , و أعطي وظيفة مهمة في الإدارة الجديدة . و في أنتظار المحاكمة , أنتهزت (ماريوسيا) الفرصة للتسجيل في الـ (بروليكتكالت) Proletcult , و هي حركة رسمية تشجّع العمال على تطوير مواهبهم الفنية .

و أتعقدت محاكمة (ماريوسيا) بين 21 – 23 يناير 1919 , من قبل محكمة « الشرف الثوري » . و أعاد البلاشفة أتهامها بنفس التهم التي تمت تبرئتها منها من قبل في (تاغانروك) , بتحريض من حكومتهم الأوكرانية العميلة المنفية . و كانت هذه الحكومة قد شكلت لجنة تقصي حقائق , للتحقيق في « جرائم » (ماريوسيا) . و وفقا لرئيس هذه اللجنة , (يوري بياتاكوف) Yuri Piatakov , فإن الـ (دروزينا) قد سببت إختلال نظام الدفاعات ضد الألمان و الحرس الأبيض . و أن (ماريوسيا) نفسها , و تحت زعم الدفاع عن البروليتاريا , قد قامت بأعمال نهب . و إنها مجرد قاطعة طريق تعمل تحت علم السلطة السوفياتية .

و وفقا للائحة الإتهامات , فإن (ماريا نيكيفوروفا) قد قامت , و بدون موافقة السوفياتات المحلية , بإجراء العديد من عمليات النهب , لمخازن التموين , و المحال الخاصة و الأسواق , و فرضت مساهمات كبيرة من المال على ملاك الأراضي , و جمعت البنادق و غيرها من الأسلحة التي تركها الـ (هايداماك) . و عندما أعترضت السوفياتات , قامت بتهديدها , و بحصار مباني السوفياتات بالمدافع الرشاشة , كما قامت بإعتقال أعضاء اللجان التنفيذية . و أن قواتها قد أطلقت النار على قائد للقوات , و أنها قد قامت بإعدام رئيس مجلس سوفيات (إيزافيتجارد) و آخرين بسبب عدم تنفيذ الأوامر .

و مثل صديقها القديم (كارلين) أمام المحكمة , كشاهد على تاريخها , فوصفها بأنها غير أنانية بالمرة :  » إنها تعطي كل ما لديها , حتى للرفاق الذين لا تكاد تعرفهم . و لا تبقى لنفسها (كوبيك) واحد , بل تعطي كل شيء  » .

و قد نشرت جريدة (برافدا) الحكم في 25 يناير 1919 , بأن المحكمة قد وجدت (ماريوسيا) مذنبة , بتشويه سمعة السلطة السوفياتية بأفعالها , و تصرفات قواتها , في عدة حالات , و بعصيانها للسوفياتات المحلية في مجال الأنشطة العسكرية , كما تمت تبرئتها من تهم النهب .

كان من الممكن أن يتم إعدام (ماريوسيا) بسهولة على الجرائم التي أدينت بها . و مع ذلك فقد حكمت عليها المحكمة  » بالحرمان من الحق في شغل مناصب المسئولية لمدة ستة أشهر من تاريخ الحكم  » . و أعلنت المحكمة أنها أخذت في الإعتبار الخدمات التي قدمتها (ماريوسيا) للسلطة السوفياتية , و نضالها ضد الألمان .
__________________________________________

العودة إلى (جلياي بول)

على الرغم من أن الحكم الصادر بحقها كان مخففا , إلا أن (ماريوسيا) قد أعتبرته شديد الوطأة . كانت ستة أشهر فترة طويلة في ظل ظروف الحرب الأهلية . و لذلك توجهت على الفور إلى (جولياي بول) , حيث أقتطع (ماخنو) جيبا أناركيا , بطرده للبيض و القوميين . و كان (ماخنو) قد أنتهى إلى عقد أتفاق مع البلاشفة في 19 فبراير 1919 , يسمح له بالحرية في بناء مجتمع أناركي . و كانت خطط (ماخنو) على المدى القصير , لا تشمل مواجهات مع البلاشفة . حتى أنه لم يكن سعيدا , و لا سيما عندما أتته (ماريوسيا) ذات العلاقات السيئة مع البلاشفة . و كان (ماخنو) واضحا معها , بأنه يعتزم تنفيذ الحكم الصادر ضدها . و طلب منها أن تشارك في رياض الأطفال و المدارس و المستشفيات , بدلا من المسائل العسكرية .

وقعت حادثة مزعجة في المؤتمر الثاني لسوفيات (جولياي بول) , الذي أنعقد في ربيع 1919 . و على الرغم من أن (ماريوسيا) لم تكن مندوبة , إلا أنها طلبت الكلمة . و عندما بدأت تهاجم البلاشفة , كان الفلاحون منزعجين . إذ كانوا أكثر قلقا إزاء البيض في تلك المرحلة , و كان البلاشفة حلفائهم . أما (ماخنو) , الذي كان دائما غوغائيا , عندما يتعلّق الأمر بالفلاحين , فقد أنزلها بنفسه من على المنصة .

و على الرغم من خلافاتهما العلانية , واصلت (ماريوسيا) و (ماخنو) العمل معا . و قامت (ماريوسيا) بعدة زيارات إلى (ألكسندروفسك) , تحت رعاية البلاشفة إسميا , و الذين كان (ماخنو) يأمل أن ينضووا داخل نطاق نفوذه . و كان رد فعل البلاشفة , أعتقال الأناركيين الذين أقامت معهم , على الرغم من عدم أعتبارها رسميا كعدو للسلطة السوفياتية .

و في ربيع 1919 , زار (جولياي بول) عدد من القادة البلاشفة الرفيعي المستوى , بما في ذلك (أنتيونوف أوفسيينكو) و (ليف كامينيف) Lev Kamenev , و (كليمنت فوروشيلوف) Kliment Voroshilov . و كانت (ماريوسيا) نوعا ما هي المضيفة في هذه الزيارات , و قد مارست نوعا من الضغط على (كامينيف) لتخفيف الحكم الصادر ضدها من محكمة موسكو , إلى مدة ثلاثة أشهر . و الظاهر أنها نجحت في ذلك .

على أن تلك الزيارات من قبل القادة البلاشفة كانت لغرض شرير : إذ كانوا يحاولون معرفة حدود حركة (ماخنو) , و تقييم متى سيتوقفون عن استغلالهم ضد البيض , و من ثم يشرعون في تصفيتها . و كان البلاشفة قد حظروا بالفعل المنظمات الأناركية في المدن الأوكرانية الواقعة تحت سيطرتها . كما منعوا الأناركيين من عقد الإجتماعات , أو إلقاء المحاضرات . و أغلقت مطابعهم , و تم إعتقالهم تحت كل ذريعة ممكنة . مما أدى في النهاية إلى تدفق الأناركيين من سكان المدن إلى (جولياي بول) و الأراضي التي يسيطر عليها الـ (ماخنوفيين) .
__________________________________________

العودة إلى العمل السري

بعد تخفيف الحكم الصادر ضدها , توجهت (ماريوسيا) إلى ميناء (بريدينسك) Berdyansk على بحر (آزوف) , في مايو 1919 , و نظّمت مفرزة جديدة من المسلحين من مخابرات (ماخنو) المضادة و اللاجئين الأناركيين من المدن . و من بين أعضاء هذه المجموعة , كان زوجها (بزوستيك) , و الذي قدم إلى أوكرانيا , لا بغرض زيارة زوجته , بل بهدف تجنيد المزيد من الإرهابيين للعمل السري في (موسكو) .

ثم أعلنت الدولة السوفياتية , أن (ماخنو) , و طاقمه العسكري , خارجين على القانون , في شهر يونيو . و كان هذا واحدا من أشد الأوقات على الأناركيين في أوكرانيا . كانوا يحاربون معركة خاسرة ضد البيض في الشرق , و الآن يتعرضون لهجوم من الخلف من قبل البلاشفة . و حاول (ماخنو) الرد من خلال إنقاذ بعض قدراته العسكرية , لكن (ماريوسيا) كان لديها خطط أخرى .

بسبب عدم قدرتها على بناء قوة عسكرية نظامية , قررت (ماريوسيا) شن حرب سرية ضد أعداءها . لكنها كانت بحاجة ماسة إلى المال . و أما و قد تم أعتبار (ماخنو) خارجا على القانون , فقد قابلته مع رفاقها في محطة (بولشوي توكماك) Bolshoi Tokmak . و كان (ماخنو) يسب و يلعن , و حاول سحب مسدسه , لكنه كان بطيئا جدا , لأن (ماريوسيا) كانت قد صوبت إليه بندقيتها بالفعل . و بعد نقاش حاد , قدم (ماخنو) لها 250 ألف روبل من خرينته , و تمنى لها الفشل !

و قامت (ماريوسيا) بتقسيم مجموعتها إلى ثلاثة أقسام , في كل قسم نحو العشرين مقاتل . و أرسلت واحدة منهم , تحت قيادة (تشيرنياك) Cherniak , و (جروموف) Gromov , إلى سيبيريا لتفجير مقر الديكاتور الأبيض (كولتشاك) Kolchak , و قد وصلت المجموعة بالفعل إلى سيبيريا , لكنها فشلت في التعامل مع (كولتشاك) , و أنتهت إلى الأنخراط في الحركة المضادة للبيض هناك .

و أنطلقت المجموعة الثانية , بقيادة (كوفاليفيتش) Kovalevich , و (سوبولوف) Sobolev , إلى (خاركوف) Kharkov , في الشمال , لتحرير السجناء الـ (ماخنوفيين) و تفجير مقر لجنة الطواريء (تشيكا) ЧК , لكن السجناء كانوا قد أعدموا بالفعل , و كان أعضاء الـ (تشيكا) قد أخلوا المدينة . لذلك توجت المجموعة إلى (موسكو) لتنظيم هجوم إرهابي على القيادة البلشفية . و استعدادا لذلك , نفذوا عددا من عمليات السطو المسلح في (موسكو) و المدن القريبة للحصول على الأموال . و في 25 سبتمر 1919 , قاموا بتفجير قنبلة في إجتماع لجنة الحزب البلشفي في (موسكو) , مما أسفر عن مقتل 12 و إصابة 55 من أعضاء الحزب البارزين . و في المطاردة التي تلت , تم تصفية المجموعة . فبعد مقتل كل من (كوفاليفيتش) و (سوبولوف) في تبادل إطلاق النار , تحصنت المجموعة في (داتشا) да́ча و اختارت تفجير نفسها في عدد من أعضاء لجنة الطواريء .

أما المجموعة الثالثة , التي ضمت (ماريوسيا) و (بزوستيك) , فقد قصدت شبه جزيرة القرم , و كانت تحت سيطرة البيض , بقصد تفجير مقر الجنرال (دينيكين) Denikin , قائد جيوش البيض في جنوب روسيا . و كان مقر (دينيكين) في (روستوف) Rostov , على نهر الـ (دون) , و سعت (ماريوسيا) لطلب المساعدة من الأناركيين في القرم .
__________________________________________

المحاكمة الأخيرة

كانت الأيام الأخيرة لـ (ماريوسيا) موضوعا لمختلف أنواع الأساطير , بسبب حقيقة أن الأحداث التي وقعت في جزيرة القرم التي كان يسيطر عليها البيض , كان من المستحيل تقريبا على الناس الذين يعيشون على « الأرض الثورية » معرفتها . و قد أعطى كلا من الماخنوفيين (تشاندوف) Chudnov و (بيلاش) Belash قصتين متضاربتين , و كذلك فعل (أنتونوف أوفسيينكو) . و فقط في السنوات الأخيرة , و عندما تم الإفراج عن الوثائق التي ألقت الضوء على هذا الغموض .

في الحادي عشر من أغسطس , 1919 , تم التعرف على (ماريوسيا) في شوارع (سيفاستوبول) Sevastopol , حيث تم إعتقالها و زوجها من قبل البيض . و إذ يأست مجموعتها من إمكانية إنقاذها , فقد توجهت إلى منطقة (كوبان) Kuban , حيث انضموا إلى حركة المقاومة في الخطوط الخلفية للبيض .

و كان أعتقال (ماريوسيا) ضربة كبيرة لمخابرات البيض المضادة , التي أنفقت شهرا في جمع الأدلة ضدها , و هو أمر من الصعوبة بمكان في ظل الحرب الأهلية . ثم أنعقدت محاكمتها , العسكرية في الحقيقة , في 16 سبتمبر 1919 , أمام الجنرال (سوبوتين) Subbotin , قائد قلعة (سيفاستوبول) , و كانت قائمة الإتهام تضم ما يلي :

أولا : إن المدعوة (ماريا جريجوريفنا بزوستيك) , و المعروفة أيضا باسم (ماريوسيا نيكيفوروفا) قد قامت , أثناء الفترة 1918 – 1919 , بقيادة مفرزة من الأناركيين الشيوعيين , و نفذت عمليات إطلاق نار ضد عسكريين و سكان مسالمين , و دعت إلى عمليات أنتقام دموية ضد البورجوازية و الثورة المضادة , و من أمثلة ذلك :

· في عام 1918 , و فيما بين المحطتين (برييزندا) Pereyezdna و (ليستشيسكا) Leshchiska , و بأوامر منها , تم قتل العديد من الضباط , و منهم على وجه الخصوص , الضابط (جريجورينكو) Grigorenko .

· في نوفمبر 1918 , دخلت مدينة (روستوف) على نهر الـ (دون) , مع مفارز من الأناركيين , و حرضت الغوغاء على تنفيذ أعمال أنتقامية دموية ضد البورجوازية و الثورة المضادة .

· في ديسمبر 1918 , و في الوقت الذي كانت تقود فيه مفرزة مسلحة , شاركت جنبا إلى جنب , مع قوات (بيتلورا) Petliura , في الاستيلاء على (إوديسا) , و شاركت في إحراق سجن (أوديسا) , حيث قتل رئيس السجانين (بيرليشن) Pereleshin , في الحريق .

· في يونيو 1919 , و في مدينة (ميليتوبول) Melitopol , تم إعدام 26 شخص بأوامر منها , منهم على سبيل اليقين : (تيموفي روجكوف) Timofei Rozhkov . .

و هذه التهم تقع ضمن الجرائم المحددة في المادتين 108 و 109 من القانون الجنائي لجيش المتطوعين .

ثانيا , أن (فيتولد ستانيسلاف بزوستيك) , متهم , لا بالضلوع في الجرائم الواردة في القسم الأول , بل بعلمه بها , و إخفاء (م نيكوفوروفا) عن السلطات .

و قد وجد كلا من المتهمين مذنبا , و حكم عليه بالإعدام , و كما هو واضح من لائحة الاتهام فإن (بيزوستيك) قد أدين بالجرائم بسبب كونه زوج (ماريوسيا) .

و وفقا لصحفيين حضروا المحاكمة , فإن (ماريوسيا) كانت متحدية في كل مراحل المحاكمة , و أنها قد سبّت المحكمة بعد النطق بالحكم . و أنها لم تنكسر سوى للحظة وجيزة و هي تودع زوجها . و قد تم إعدامهما رميا بالرصاص .

و ذكرت صحيفة (ألكسندروفسك) تلغراف , المدينة التي كانت خاضعة للبيض في ذلك الوقت , خبر وفاتها , في 20 سبتمبر 1919 ,  » لقد أنكسرت واحدة من أقوى دعائم الأناركية , و تحطم واحد من أكثر معبوداتها سوادا من أساسه … لطالما نسجت الأساطير عن « قيصرة الأناركية » . و قد جرحت عدة مرات , و قطعت رأسها عدة مرات , لكنها كالـ (هيدرا) الأسطورية , كانت تنمو لها دائما رأس جديد . و لطالما نجت , و عادت من جديد من أجل المزيد من سفك الدماء … و هنا في منطقتنا , مازال أبناء الحركة الماخنوفية , البقايا السامة لهذا الشر المقيم , يحاولون منع استعادة المجتمع التقليدي , و يجهدون أنفسهم في محاولة إعادة بناؤه بصورة دموية رسما على قواعد (ماخنو) . إن هذه الضربة الأخيرة تستحق أن نقيم حفلا على قبور الحركة الماخنوفية  » .

و بعد أسبوعين من نشر تلك السطور , سقطت (ألكسندروفسك) في يد الحركة الماخنوفية ..
__________________________________________

و تستمر الأسطورة …

لما كانت (ماريوسيا) قد نجت من الموت عدة مرات من قبل , فقد صار من الصعب على الناس أن تصدق أنها قد رحلت حقا . و قد أدى تكذيبهم لخبر وفاتها إلى ظهور (ماريوسيات) مزيفات على ما يبدو . و كان هناك على الأقل ثلاثة من هؤلاء الآتامانشات , نشطتن في فترة الحرب الأهلية , و استفدن من اسم (ماريوسيا) :

(1) (ماريوسيا شيرنايا) Marusya Chernaya « السوداء » , قادت فوج من سلاح الفرسان في جيش (ماخنو) بين عامي 1920 – 1921 , و قتلت في المعركة ضد الحرس الأحمر .

(2) (ماريوسيا سوكولوفيسكايا) Marusya Sokolovskaia , معلمة أوكرانية , ذات توجه قومي , قادت مفرزة أخيها بعد مقتلة في معركة في 1919 , و قد تم أعتقالها من قبل الحرس الأحمر و إعدامها رميا بالرصاص .

(3) (ماريوسيا كوسوفا) Marusya Kosova , كانت آتامانشا , في ثورة الفلاحين في (تامبوف) Tambov , في 1921 , و بعد قمع التمرد أختفت من التاريخ .

و تدّعي أسطورة أخرى , أن (ماريوسيا) قد تم تجنيدها كعميلة سرية سوفياتية , و فقا لهذه القصة , فإن (ماريوسيا) قد أرسلت إلى (باريس) للقيام ببعض الأعمال هناك , حيث قامت بإغتيال الزعيم الأوكراني القومي المنفي (سيمون بيتلورا) . و الحق أن (بيتلورا) قد أغتيل على يد عضو سابق في مفرزة (كوتوفيسكي) Grigori Kotovsky الأناركية , يدعى (شولوم شفارتسبارد) Sholom Schwartzbard , بعد سبعة أعوام على إعدامها . و لعل الحقيقة الوحيدة في هذه القصة , هي تورط بعض الأناركيين في أعمال لصالح البلاشفة .

كانت (ماريا نيكيفوروفا) تمثل الجانب التدميري في الأناركية , تدمير القديم من أجل إفساح المجال للجديد , لكنها لم تكن تعير الجانب الآخر من الأناركية إهتماما . و لم تتمتع بالهدوء و لا السكينة اللازمة لمواصلة العمل البناء . و على الرغم من أنها لم تكن ذات تأثير على المجرى النهائي للثورة الروسية , إلا أنها كانت دائما على استعداد أن تعمل وفق مبادئها في اللحظات المهمة . و قد وظّفت مواهبها الهائلة لمحاربة حجافل من الأعداء , لكنها سقطت في نهاية هذا الصراع غير المتكافيء .
__________________________________________

ملحقات

في ديسمبر 1918 , حضرت (ماريوسيا) المؤتمر الأول لجميع الروس الأناركيين الشيوعيين , في موسكو , و فيما يلي نص لجزء من كلمتها التي ألقتها هناك :

إن التأمل في الطريقة التي يعيش بها الأناركيون حياتهم , يجعلني أصاب بالإكتئاب من أوجه القصور التي تكتنف عملهم . ما هو سبب هذا القصور ؟ هل هو الإفتقار إلى الموهبة ؟ لا يمكن ان نقول أن الأناركيين يفتقدون إلى المواهب , فلماذا تنهار المنظمات الأناركية إذن ؟ و لماذا , عندما يتبّع الأناركيون ضمائرهم , لا يحصلون على النتائج التي يأملونها ؟ ينبغي على الأناركيين معرفة أخطاءهم بوضوح .

على الأناركيين ألا يقيّدوا أنفسهم إلى الأشياء الكبيرة , في نهجهم الذين ينتهجون . إن أي عمل من أي نوع سيكون نافع حتما . و التضحية بالنفس أسهل بكثير من العمل المتواصل , المضطرد , الهادف لتحفيف أهداف محددة . هذا العمل يتطلّب سلطة باقية و كثير من الطاقة , و الأناركيون ليس لديهم ما يكفي من هذه السلطة أو تلك الطاقة , و لعل من الواجب عليهم الاستعداد للانضباط و النظام .

و ينبغي على الأناركيين :

(1) تقديم المثل و القدوة , فليس لدى الأناركيين الآن كوميونات مثلا

(2) توزيع دعايتهم على نطاق واسع على شكل مطبوع .

(3) تنظيم أنفسهم , و البقاء على أتصال وثيق مع بعضهم البعض . و من أجل هذه النقطة الأخيرة , نحتاج إلى تسجيل كافة الأناركيين , و لكن بشكل أنتقائي , ليس بإعتبار من يعرف الجانب النظري , بل بمن يمكنه وضع هذا الجانب النظري موضع التنفيذ .

إن الثورة الإشتراكية عملية متواصلة , و يجب أن يستعد الأناركيون لتلك اللحظة التي ستتطلب كافة قوتهم , و من ثم على كل واحد أن يقوم بعمله , لا أن يعيق الآخرين . و ينبغي أن يستند عملنا على ضرب الأمثلة , فبالإمكان مثلا , في (موسكو) نفسها , إنشاء شبكة متكاملة من الحدائق الخضروات , على أسس شيوعية . و سيكون هذا أفضل وسيلة لتحريض الناس , الناس الذين هم في جوهرهم أناركيون بالطبيعة  » …

 » الفصل و التكافؤ  » – المرأة الحرة (موخيريس ليبريس) و الإستراتيجية الأناركية لتحرير المرأة

 » الفصل و التكافؤ  » – المرأة الحرة (موخيريس ليبريس) و الإستراتيجية الأناركية لتحرير المرأة

تاريخ (موخيريس ليبريس) و هي منظمة نسائية أناركية تأسست في إسبانيا – مايو 1936 و تهدف لوضع نهاية لثلاثية استعباد المرأة . . الجهل – رأس المال – التبعية للرجال

أدى إصرار الأناركيين , على أن تطور الحركات الثورية لا يمكن أن يتم على نحو فعال إلا إذا نبعت من واقع حياة الناس , إلى استنتاج منطقي مفاده أن الحركة الثورية الحقيقية يجب أن تكيف نفسها مع الاختلاف . كما يجب أن تعكس تفهما للتجارب الحياتية لأولئك الذين يشاركون فيها , كخطوة أولى لإشراكهم في العملية الثورية . كانت هذه الحاجة , للتكيف و التفهم , ماسة بشكل خاص , و كانت القضايا الإستراتيجية معقدة بشكل خاص بخصوص وضع المرأة , و التي كانت تجارب حياتها اليومية , في كثير من المجتمعات , و لا تزال , مختلفة عن تجارب الرجال .

 » الفصل و التكافؤ  » – المرأة الحرة (موخيريس ليبريس) و الإستراتيجية الأناركية لتحرير المرأة

تاريخ (موخيريس ليبريس) و هي منظمة نسائية أناركية تأسست في إسبانيا – مايو 1936 و تهدف لوضع نهاية لثلاثية استعباد المرأة . . الجهل – رأس المال – التبعية للرجال

أدى إصرار الأناركيين , على أن تطور الحركات الثورية لا يمكن أن يتم على نحو فعال إلا إذا نبعت من واقع حياة الناس , إلى استنتاج منطقي مفاده أن الحركة الثورية الحقيقية يجب أن تكيف نفسها مع الاختلاف . كما يجب أن تعكس تفهما للتجارب الحياتية لأولئك الذين يشاركون فيها , كخطوة أولى لإشراكهم في العملية الثورية . كانت هذه الحاجة , للتكيف و التفهم , ماسة بشكل خاص , و كانت القضايا الإستراتيجية معقدة بشكل خاص بخصوص وضع المرأة , و التي كانت تجارب حياتها اليومية , في كثير من المجتمعات , و لا تزال , مختلفة عن تجارب الرجال .

صاغ الأناركيون الأسبان , رجالا و نساءا , في السنوات الأولى من القرن العشرين , رؤية غير هرمية , شيوعية لمجتمع تقف فيه المرأة على قدم المساواة , مع الرجل . على أنه في مجتمع ما قبل الحرب الأهلية , كانت معظم النساء أبعد ما يكنّ عن الإستعداد للمشاركة مع الرجال في النضال من أجل تحقيق هذه الرؤية , على قدم المساواة . و على الرغم من أن الحركة الأناركية النقابية Confederación National del Trabajo – CNT قد كرست نفسها في الأساس من أجل نضال العمال , إلا أن غالبية النساء الإسبانيات لم ينتظمن بالعمل في المصانع , بل عمل , معظم من انخرط منهنّ في عمل , مقابل أجر في منازلهن , عملا مأجورا بالقطعة . و واصلت النساء العاملات من ذوات الأسر القيام بـ  » واجب مزدوج  » كربات بيوت و أمهات . و قد أبقت أشكال معينة من اضطهاد النساء في إسبانيا المرأة تابعة للرجل حتى في سياق الحركة الأناركية الثورية .

و إذ كان على المرأة المشاركة بنشاط في النضال الثوري الاشتراكي , فقد احتاجت  » إعدادات  » خاصة , و إهتماما خاصا لواقع تبعيتها و تجاربها الحياتية الخاصة . و في مايو 1936 أسست مجموعة من النساء الأناركيات منظمة  » المرأة الحرة  » Mujeres Libres , أول منظمة نسائية بروليتارية مستقلة في إسبانيا . و كان هدفها وضع حد لثلاثية استعباد المرأة : الجهل و رأس المال و التبعية للرجال . و في حين أن بعض العضوات المؤسسات كن من النساء المحترفات أو شبه المحترفات , فإن الغالبية العظمى من العضوات – و اللاتي بلغ عددهم عشرين ألفا بحلول تموز 1937 – كن من نساء الطبقة العاملة . و هدفن إلى التغلب على الجهل و قلة الخبرة اللذين وقفا عائقا أمام المشاركة الفعالة للمرأة على قدم المساواة مع الرجل من أجل بناء مجتمع أفضل من ناحية , و من ناحية أخرى من أجل التصدي لهيمنة الرجل على الحركة الأناركية نفسها .

و قد عارض التيار الأناركي الفصل النضالي و الفصل التنظيمي الذي انتهجته منظمة  » المرأة الحرة  » على أساس الإلتزام بالعمل المباشر و المساواة . لكن  » المرأة الحرة  » دعت إلى فصل النضال على أساس تفسير مختلف لهذا الالتزام نفسه . و كانت الصعوبات التي واجهتها هي تسليط الضوء على إشكالية دور المرأة في الحركات الثورية و تعقيدات الإعتبار الكامل لتجارب المرأة في عملية تصور و خلق المجتمع الجديد .

التزم الأناركيون بالمساواة . و قد عنت المساواة أن لا يؤخذ بتجارب مجموعة بعينها أساسا عياريا للجميع ,و أنه في مجتمع قائم على المساواة التامة فإنه لا يمكن أن توجد مؤسسات يستطيع من خلالها بعض الأفراد ممارسة سلطة سياسية أو إجتماعية أو إقتصادية على الآخرين . و يحقق مثل هذا المجتمع التنسيق من خلال ما سماه أحد الكتاب المعاصرين بـ  » النظام التلقائي  » . حيث يجتمع الناس معا طوعا لتلبية إحتياجات محددة متبادلة , و يتم تنسيق الأنشطة الواسعة النطاق من خلال الفيدرالية (1) .

كان لهذا المنظور المناهض للتراتبية عواقب هامة بالنسبة لإستراتيجية ثورية . و قد جادل الأناركيون بأن النشاط الثوري و التنظيمي يجب أن يبدأ من واقع حياة الناس . و أن العملية نفسها يجب أن تكون تحولية . و أن الإلتزام بالمساواة في هذا السياق يعني أن تجارب مختلف المجموعات صالحة بالتساوي أن تكون نقطة انطلاق لنشاط ثوري و تنظيمي .

بالإضافة إلى هذه أصر الأناركيون أن الغاية لا يمكن فصلها عن الوسيلة , و أن الناس لن تتعلم العيش في مجتمع غير هرمي إلا من خلال الإنخراط في الأشكال غير الهرمية من النشاط الثوري . و في مقابل الإدعاء بأن التسلسل الهرمي أساسي للنظام , و بخاصة في الحالة الثورية , جادل الأناركيون بأن التنسيق يمكن أن يتحقق من خلال  » حملات دعائية عن طريق الأفعال  » أي جمع أتباع من قبل سلطة المثال الإيجابي الذي يضربه . (2) . أو  » التنظيم العفوي  » الذي يعني تحديد أهداف و وسائل التنظيم من قبل الناس الذين يكوّنونه . (3).



و أخيرا , فقد أدرك الأناركيون أن الناس الذين تحرمهم ظروف الحياة من السيطرة و تضعهم في مواقع التبعية لا يمكنهم التحول بسهولة إلى أناس واثقين بأنفسهم قادرين على التسيير الذاتي . و أن  » تحضيرا  » واسع النطاق هو جزء أساسي من عملية التحول الشخصي , الذي هو بدوره جانب من جوانب المشروع الثوري الإجتماعي . و مثل هذا  » التحضير  » إذا لم يتخذ يكن ليتخذ شكلا هرميا تراتبيا , يمكن أن يتم من خلال تجربة الفرد في أشكال جديدة و مختلفة من التنظيم الإجتماعي . و قد حاولت الحركة الناركية الأسبانية إتاحة الفرصة لتجارب من هذا القبيل . من خلال المشاركة المباشرة في الفعاليات و الإضرابات . و من خلال المعرفة المكتسبة في البيئات التعليمية غير الرسمية , يتأهل الناس لمزيد من التحولات الثورية . لكن لكي تكون فعالة , فإن هذه  » التحضيرات  » يجب أن تستجيب لخبرات الناس الذين يتصدون لها .

و قد شكلت النساء مجموعة خاصة ذات احتياجات خاصة , في الحرب الأهلية الإسبانية . و كانت تبعيتهن الإقتصادية و الثقافية أكثر وضوحا من تبعية الرجال . و كانت معدلات الأمية بين النساء أعلى من مثيلاتها بين الرجال . و حصلت أولئك النساء اللاتي عملن بأجر على أجور أقل و عملن في ظروف أكثر قمعا من مثيلاتها بالنسبة للرجال . و في شهادة إحدى النساء على هذا الوضع قالت :  » أتذكر بوضوح تام كيف كانت الأمور عندما كنت لا أزال طفلة . . كان الرجال يشعرون بالخجل من أن يروا في الشارع بصحبة النساء . . و كان الرجال و النساء يعيشون حياة منفصلة تماما . . و قد حافظ كل جنس على مجتمعه الخاص لنفسه حصريا !! « . (4)

و رغم أن هذه الاختلافات ينبغي أن تقدم دليلا صارخا على ضرورة وجود منظمة ثورية لمواجهة التبعية التي تعانيها النساء , رفض التيار الرئيسي للحركة الأناركية الاعتراف بخصوصية اضطهاد النساء أو شرعية النضال المنفصل للتغلب عليه . فقط « المرأة الحرة » هي من ربطت باتساق بين اعترافها بخصوصية تجربة المرأة و بين معالجتها لها .

و على الرغم من الالتزام ببناء مجتمع قائم على المساواة , تميز موقف الحركة الأناركية الأسبانية من قضية تبعية المرأة بالتعقيد . و جادل البعض بأن تبعية المرأة نابعة من تقسيم العمل حسب الجنس , و من « تدجين » النساء , و ما يترتب على ما يترتب على ذلك من الاستبعاد من قوة العمل المأجور . (5) . و للتغلب على ذلك كان على النساء الانضمام لقوة العمل كبقية العمال جنبا إلى جنب مع الرجال , و النضال من خلال الاتحادات العمالية لتحسين وضع جميع العمال . بينما أصر آخرون على أن تبعية المرأة كانت نتيجة ظاهرة ثقافية واسعة , و أن انخفاض شأن المرأة هو انعكاس لنشاط مؤسسات مثل العائلة و الكنيسة , و أن هذا الوضع سينتهي مع القضاء على هذه المؤسسات عندما يقوم المجتمع الأناركي .

و كانت قضية تبعية المرأة , في أحسن الأحوال , مصدر إزعاج بالنسبة للحركة أناركية ككل . فقد رفض معظم الأناركيون الإعتراف بخصوصية تبعية المرأة . و كان عدد قليل من الرجال مستعدا للتخلي عن السلطة على النساء , و التي تمتعوا بها طويلا . و كما كتب الأمين الوطني لـ CNT في 1935 ردا على سلسلة من المقالات حول تبعية المرأة : « نحن نعلم أن إعطاء الأوامر أكثر متعة من طاعتها , و أن هذا هو الأمر الواقع بين الرجال و النساء , و أنه مما يشعر الرجل بالرضا أن يكون له خادما يعد طعامه و يغسل ثيابه , هذا هو الواقع , و في مواجهة هذا الواقع فأن نطلب من الرجال التخلي عن « امتيازاتهم » هو نوع من الأحلام » .

و قد نفى البعض – و الذين يمثلون الأغلبية داخل الحركة – أن المرأة مضطهدة بطريقة تحتاج إلى اهتمام خاص . فعلى سبيل المثال , اعترفت (فيدريكو مونتسيني) Federico Montseny و الذي صارت فيما بعد وزيرة للصحة في حكومة الجمهوريين أثناء الحرب , بأن « تحرير المرأة مشكلة خطيرة في الوقت الراهن « . و أصرت على أن الهدف ليس وصول النساء للمواقع التي يشغلها الرجال , و لكن إعادة هيكلة المجتمع التي ستحرر الجميع . ليس إنتصارا لـ الفيمينيزم . بل إنتصارا للإنسانية !! . (7) . و إلى الحد الذي أدركت فيه وجود قهر ضد النساء , فإنها قد فهمت هذا القهر على تأسيس من الفردية . و جادلت بأن جذور أية مشكلة بين الرجل و المرأة إنما تكمن في « تخلف » المرأة من ناحية و من مقاومة الرجل للتغيير . و أن هذه المشاكل لا يمكن حلها من خلال النضال عبر التنظيمات .

على أن أقلية صغيرة داخل الحركة الأناركية قد اعترفت بأن المرأة تواجه مشكلة تبعية بسبب جنسهن , و أن هذه المشكلة تتطلب اهتماما خاصا . لكن العديد منهم قد أصر على أن الكفاح من أجل التغلب على هذه التبعية , سواء في المجتمع ككل أو داخل الحركة الناركية , لا يجب أن يجري في منظمات منفصلة . و قد ذكرت أحدى النشطاء : « نحن منخرطون في العمل لخلق مجتمع جديد , و يجب أن يتم هذا العمل في انسجام تام . و ينبغى أن نشارك في النضالات النقابية جنبا إلى جنب مع الرجال . أن نقاتل من أجل موطيء قدم لنا . و أن نؤخذ على محمل الجد » . (9) . و قد وجدوا في المنظور الأناركي للتغيير الإجتماعي داعما لموقفهم , و لاسيما من خلال التركيز على وحدة الوسائل و الغايات .



و قد جادل أولئك الذين عارضوا قيام التنظيمات النسائية المستقلة بأن الأناركية لا تتنافى فقط مع أشكال التنظيم الهرمي , و لكن أيضا مع أي تنظيم مستقل يمكن أن يقوض وحدة الحركة . و في حالتنا هذه , فإن هدف الحركة الأناركية هو خلق مجتمع قائم على المساواة , تقف فيه المرأة و الرجل على قدم المساواة , و إن النضال لتحقيق هذه الغاية يتطلب إشراك الرجال و النساء معا كشركاء على قدم المساواة . و قد خشي هؤلاء الأناركيون أن منظمة تكرّس خصيصا لإنهاء تبعية المرأة و تؤكد على أوجه الإختلافات بين الرجل و المرأة بدلا من أوجه التشابه بينهما ستجعل من الصعب تحقيق الغاية الثورية النهائية في المساواة . و إن الاستراتيجية المبنية على تنظيمات تستند إلى التجارب الحياتية لا تمتد إلى حد تبرير منظمة مستقلة موجهة لإحتياجات المرأة .

و بإختصار , فإنه على الرغم من أن بعض المجموعات داخل الحركة الأناركية قد اعترفت بالقمع الذي يمارسه الرجال ضد النساء و بالتمييز على أساس الجنس داخل الحركة نفسها , فإن التيار الرئيسي للحركة لم يول إلا أقل اهتمام للقضايا التي تهم المرأة , و نفى أي شرعية عن المنظمات المستقلة المكرسة للتعامل مع مثل هذه القضايا . أما النساء اللواتي أصررن على خصوصية وضع المرأة و قهرها , و على ضرورة فصل النضال للتغلب على هذه الخصوصية , فقد أنشأن منظمتهن الخاصة : « المرأة الحرة » Mujeres Libres .

و يمكن تتبع السوابق المباشرة لمنظمة « المرأة الحرة » وراءا , على الأقل إلى 1934 . عندما بدأت جماعات صغيرة من النساء الأناركيات في كل من (مدريد) و (برشلونة) و بشكل مستقل عن بعضها البعض , يشعرن بالقلق إزاء أعداد قليلة من النساء اللاتي شاركن بنشاط في CNT . . و قد لاحظن على حسب رواية إحداهن ما يلي :
« . . . و كانت النساء تحصلن على مقابلة واحدة فقط – أولئك اللاتي أردن الإنضمام – أواللاتي أتين على سبيل المثال إلى رحلات الأحد أو إلى مجموعات المناقشة – يحصلن على مقابلة واحدة و لا يلتفت إليهن بعد ذلك . . . حتى في الصناعة , حيث عملت الكثير من النساء في صناعة النسيج , كان هناك عدد قليل جدا من النساء اللاتي تحدثن في الإجتماعات النقابية . . و قد وصل إلينا الشعور بالقلق إزاء كل هؤلاء النساء اللواتي نخسرهن , لذلك فكرنا في إنشاء منظمة نسائية للتعامل مع قضاياهن . . و في عام 1935 أرسلنا الدعوة إلى جميع النساء في الحركة التحررية . . و إن كنا قد ركّزنا إهتمامنا على الرفيقات الشابات . . و أطلقنا على مجموعتنا هذه اسم : Grupo cultural femenino, CNT « . (10) .

و في البداية كانت هذه المجموعة من النساء مجموعة داخلية , أو على الأقل كانت تحت إشراف CNT , و كان غرضها الرئيسي تطوير المزيد من النساء ليكن عضوات ناشطات في الحركة الأناركية .
لكن في غضون فترة زمنية قصيرة , اتصلت نساء (مدريد) بنساء (برشلونة) , و كان ذلك في أواخر 1935 . . و قد قررن أن تطوير النساء الناشطات عملية معقدة . و أنهن يحتجن إلى الاستقلال إذا كانوا يريدون الوصول بالنساء إلى المستوى الذي يطمحون إليه . و في مايو 1936 أنشأن منظمة « المرأة الحرة » .

و قد جادلت مؤسسات « المرأة الحرة » بأن النساء يجب أن ينتظمن بصورة مستقلة عن الرجال سواء للتغلب على تبعيتهن الخاصة أو للنضال ضد مقاومة الرجال لتحرر النساء . و قد استند برنامج المنظمة على نفس التزامات العمل المباشر و الإعداد من أجل الحركة الأناركية الإسبانية الأوسع . و أصر البرنامج على أن إعداد النساء للإنخراط في العمل الثوري يجب أن يتطور من واقع تجارب حياتهن . و هي عملية تتطلب تغلب النساء على تبعيتهن المحددة بكونهن نساء , و بتطوير المعرفة و الثقة في النفس اللازمة للمشاركة في النضال الثوري , و التصدي لهيمنة الرجال على تلك المنظمات التي لم تأخذ النساء و خبراتهن على محمل الجد .

و قد جادلت (إيما جولدمان) في وقت سابق بأن  » التحرر الحقيقي لا يبدأ في الانتخابات و لا في المحاكم . بل يبدأ في روح المرأة . . . و أن تطورها و حريتها و استقلالها يجب أن يأتي من خلال نفسها  » . (11) . و قد طالبت المعلقات على حركات أخرى من أجل تحرير المرأة بنفس المطالب . فعلى سبيل المثال , أشارت (شيلا روبوثام) Sheila Rowbotham إلى الطرق التي قمعت بها الحركات الإشتراكية و الشيوعية مطالب النساء مرارا . (12) و قد اعتبرت (إلين دوبوي) Ellen DuBois تشكيل حركة مستقلة من أجل حق النساء في الاقتراع علامة على « سن النضج » في الحراك النسائي Feminism في الولايات المتحدة . في عرضها للنقطة الفاصلة التي أخذ النساء عندها مسألة التبعية بجدية كافية للنضال من أجل حقوقهن (13) . و قد تصرفت نساء « المرأة الحرة » بناء على إحساس مماثل من وعي متغير . و على حد تعبير إحدى العضوات :  » كان الأمين الوطني للـ CNT يدعمنا . و قد عرض علينا ذات مرة أن يقدم لنا كل المال و الدعم الذي نريد , إذا وافقنا على العمل كجزء من الـ CNT . لكننا رفضنا ذلك . لقد أردنا للمرأة أن تجد حريتها . » (14) .

كان شعور النساء بالقلق إزاء استقلالهن عظيما , يدل على ذلك اختيار اسم المنظمة نفسها . فعلى الرغم من حقيقة أن معظم المؤسسات قد نشأ وعيهن السياسي من خلال الحركة الأناركية النقابية و أعتبرن أنفسهن « تحرريات » إلا أنهن قد نبذن اسم « المرأة التحررية » Mujeres Libertarias كاسم للمنظمة و فضلن عليه اسم « المرأة الحرة » Mujeres Libres , من أجل توضيح استقلالهم التام عن أي تدخل مؤسسي أو تنظيمي , حتى من الـ CNT .

و قد انعكست تحليلاتهم , لوضع تبعية المرأة و الضروريات اللازمة للتغلب على هذا الوضع , على شكل التنظيم و برنامجه . فأولا : ركزت « المرأة الحرة » أكبر قدر من الاهتمام على المشاكل التي تهم المرأة بشكل خاص : الأمية و التبعية الإقتصادية و الإستغلال و الجهل و الرعاية الصحية و رعاية الأطفال و الجنس . و ثانيا : فقد أصرت « المرأة الحرة » على الإنخراط في النضال الذي يتطلب تغير الإحساس بالذات . و كانت الفكرة الأساسية أن النساء سيتمكن من تطوير و استبقاء مثل هذا الوعي فقط إذا عملن بمعزل عن الرجال من خلال منظمات تهدف إلى الحفاظ على ذواتهن الجديدة . و قد حاولت « المرأة الحرة » أن تكون الإطار الذي يتطور من خلاله هذا الوعي المتغير . و أخيرا فقد أعربت « المرأة الحرة » عن إعتقادها بان منظمة منفصلة و مستقلة أمر ضروري من أجل تحدي التمييز المبني على أساس الجنس و تراتبية الاستعلاء الذكوري في الـ CNT و في الحركة الناركية ككل . و كمنظمة , تولت « المرأة الحرة » هذا التحدي . .

الإنتباه إلى حياة النساء

حددت المنظمة مصادر ثلاثة نختلفة لتبعية المرأة , الجهل (الأمية) و الاستغلال الإقتصادي و التبعية للرجل داخل الأسرة . و على الرغم من أن التصريحات الرسمية لم تحدد الأولويات بين هذه العوامل , إلا أن معظم أنشطة المنظمة قد تركزت حول الجهل و الإستغلال الإقتصادي . و قد أوضحت (لوشيا سانشيز ساورنيل) Lucía Sanchez Saornil , مؤسسة « المرأة الحرة » في مقالاتها حول « قضية المرأة » المنشورة بجريدة « تضامن العمال » Solidaridad Obrera في 1935 . تقول :  » أعتقد و بكل تأكيد , أن الحل الوحيد لمشاكل المرأة المتعلقة بالجنس تكمن في العثور على حل للمشكلة الإقتصادية . الحل يكمن في الثورة . إذ أن أي شيء آخر لن يكون سوى مواصلة نفس الإستعباد تحت اسم جديد .  » (15)

و برمجيا , ركزت المنظمة معظم اهتمامها على الجهل , الذي اعتقدت انه قد ساهم في تبعية المرأة في كل مجالات الحياة . و هكذا شنت « المرأة الحرة » حملة مكثفة لمحو الأمية لتوفير الأساس اللازم لـ « تحضير » enculturation النساء . إذ أن التعليم سيمكن النساء من فهم مجتمعهن و موقعهن فيه على نحو افضل , و من النضال من أجل تحسينه . (16) . و تم تنظيم ثلاث مستويات من الفصول , المستوى الأول لأولئك الأميات اللواتي لا يقرأن و لا يكتبن , و المستوى الثاني لأولئك اللاتي يستطعن القراءة و الكتابة قليلا , و المستوى الثالث لمن تستطيع القراءة و الكتابة جيدا لكن تريد الزج بنفسها في قضايا أكثر تعقيدا . . و لم تساو « المرأة الجديدة » بين الأمية و بين عدم فهم الواقع الإجتماعي , بل أصرت على أن الحرج من تخلفهن الثقافي هو ما يمنع الكثير من النساء من المشاركة الفعالة في النضال من أجل التغيير الثوري . و قد اصبح الإلمام بالقراءة و الكتابة أداة لتطوير الثقة بالنفس و لتيسير المشاركة الكاملة في المجتمع و التغيير الإجتماعي .

و للتصدي لجذور التبعية في الاعتماد الإقتصادي , وضعت « المرأة الحرة » برنامج عمل شامل مع التركيز على التعليم . و قد أصر المنظمون أن اعتماد المرأة قد نتج عن التفرقة المبنية على الجنس في العمل مما هبط بمستوى النساء إلى وظائف أدنى أجرا في ظل أقسى الظروف القمعية . و قد رحبت « المرأة الحرة » بحرب المرأة المتصل خارج البيت للولوج إلى قوة العمل المأجور بما يفوق الترتيبات المؤقتة , و أعربت عن أملها في أن إدماج المرأة في قوة العمل سيكون على نحو دائم . مما سيساهم في استقلالها الإقتصادي . (17) .

و قد تناول برنامج العمل الخاص بـ « المرأة الحرة » المشاكل التي تواجه نساء الطبقة العاملة , و محاولة إعدادهم ليتبوأن مكانهن على قدم المساواة في الإنتاج . و قد عملت بشكل وثيق مع اتحادات الـ CNT و شاركت في رعاية و تنظيم الدعم و التدريب , و برامج التدريب المهني لدفع النساء إلى الدخول إلى القوة العاملة المأجورة . و في المناطق الريفية رعت « المرأة الحرة » برامج تدريب زراعية . كما أنشأت « المرأة الحرة » و أعدت و دعمت مرافق رعاية الأطفال , سواء في المصانع أو الأحياء السكنية . لتسمح للنساء بالوقت الكافي للعمل . كما حاربت « المرأة الحرة » من أجل تكافؤ الرواتب بين الرجال و النساء .

و مع ذلك , فقد وجهت « المرأة الحرة » القليل جدا من الاهتمام لتقسيم العمل على أساس الجنس , و لا إلى استكشاف الآثار المترتبة على المساواة بين الجنسين على الصورة النمطية للعمل , إذ تعتبر بعض الأعمال حصرا على النساء و بعضها الآخر حصرا على الرجال . و قد تطرقت الكثير من دراسات الفيمينيست حديثا إلى العلاقة بين الولادة و الزواج الأحادي و تربية الأطفال و تقسيم المشاركة في العمل , و أشارت إلى الآثار المترتبة على هذه العلاقات في خضوع المرأة . (18) . على أنه لا « المرأة الحرة » و لا أية منظمة نسوية إسبانية أخرى في ذلك الوقت , قد شككت في أن المسئولية الرئيسية عن تربية الاطفال و الأعمال المنزلية ستبقى مسئولية النساء .

و الحق أن منهج « المرأة الحرة » , تجاه تبعية النساء الثقافية للرجال الذين يسيطرون على المجتمع , كان غامضا . و قد جادلت بعض العضوات بأن الأخلاق البورجوازية تعامل المرأة باعتبارها ملكية خاصة . و قد انتقدت (أمبارو بوتش يي جاسكون) Amparo Poch y Gascón , إحدى العضوات المؤسسات لـ « المرأة الحرة » , الزواج الاحادي و إفتراض إمكانية أن يكون الزواج من الناحية العملية تعاقدا دائما . و أكدت على أنه لا يترتب على الزواج و لا على الأسرة نفي احتمالية « الزراعة » خارجه (19) . و قد اختلفت غالبية النساء في « المرأة الحرة » على الأرجح مع رفضها للزواج الأحادي . لكن المنظمة انتقدت الأشكال المتطرفة من السيطرة الذكورية على العائلة . فعلى سبيل المثال , رفضت (لوشيا سانشيز ساورنيل) Lucía Sanchez Saornil تعريف المجتمع لمرأة بكونها أما فقط , و جادلت بأن هذا التعريف قد ساهم في استمرار تبعية المرأة , تقول :  » إن مفهوم الأم قد استوعب مفهوم المرأة . و هذه الوظيفة قد بددت تفردها . » (20)

على أن العضوات كن أكثر استعدادا للموافقة على مظاهر خضوع المرأة الثقافية الأخرى . و قد عبرت الدعارة في رأيهن عن الصلة بين التبعية الإقتصادية و التبعية الجنسية . التبعيتان اللتان أدتا إلى انحطاط كلا من النساء اللواتي انخرطن فيها , و للنشاط الجنسي بشكل عام . بصورة مثالية , لا ينبغي لممارسة الجنس أن تعد سلعة , و من حق كل رجل و امرأة أن يمارس حياته الجنسية بشكل كامل و بحرية . و قد أدى بهم هذا التحليل إلى واحدة من أكثر الفكار ابتكارا , خطة – لم تنفذ فعليا على أرض الواقع نظرا للقيود التي تفرضها ظروف الحرب – لإعداد liberatorios de prostitución . . مراكز تدعم البغايا السابقات إذ يسترجعن أنفسهن من أجل حياة أفضل . و كان الأمل في أن الثورة الإشتراكية سوف تحدث تغييرا جذريا في طبيعة العمل المأجور بما في ذلك عمل المصنع , يستند إلى فرضية أن العمل المنتج أقل مهانة من الاتجار بالجنس . و قد ناشدت المنظمة الرجال الأناركيين بعدم مناصرة البغايا . و أشارت إلى أن القيام بذلك يكرّس لإستمرار أنماط من الإستغلال كانوا , على ما يفترض , ملتزمين بالتغلب عليها . (21)

كما ركزت « المرأة الحرة » على الرعاية الصحية . فدربت الممرضات للعمل في المستشفيات و ليحلوا محل الراهبات اللاتي احتكرن سابقا الرعاية التمريضية . كما شنت حملة تثقيف واسعة و برامج نظافة في مستشفيات النساء . و خصوصا في (برشلونة) . و حاولت التغلب على جهل النساء بأجسادهن و برعاية و تنشئة الأطفال . و بصورة عامة حاولت « المرأة الحرة » التغلب على جهل النساء بالنشاط الجنسي , ة هو الجهل الذي نظر إليه على أنه أحد أسباب تبعية المرأة المؤسسة على الجنس . و على سبيل المثال , فقد أشارت (أمبارو بوتش يي جاسكون) Amparo Poch y Gascón إلى أن جهل النساء بوظائف الجسد و بطرق منع الحمل من العوامل التي تساهم في صعوبات المرأة المفترضة في استكشاف المتع الجسدية . و قد قرنت نداءها بمزيد من الانفتاح في هذا المجال مع إدعائها بأن الكبت الجنسي للنساء قد ساهم في الحفاظ على الهيمنة الذكورية .

و قد وضعت « المرأة الحرة » برامج تعليمية موسعة للتغلب على التبعية الثقافية , شملت الأطفال و النساء البالغات . و تضمنت دورات تربية الطفال للأمهات لتمكينهن من إعداد أبنائهن بصورة أفضل للحياة في مجتمع تحرري . و قد طورت أشكال جديدة من التعليم للأطفال , بهدف تحدي القيم البورجوازية و الأبوية , و إعداد الأطفال لتطوير رأي نقدي خاص بهم . و أخيرا فقد ساهمت المنظمة في تطوير نواة جديدة من المعلمين و المناهج و الهياكل التعليمية غير الهرمية .

و عى الرغم من وضوح الإتجاه العام لهذه البرامج , فإن برامج « المرأة الحرة » قد عكست التناقض حول دور المرأة في المجتمع و دورها في النضال الثوري . و على الرغم من الإصرار على أن تبعية المرأة مشكلة يمكن معالجتها بفعالية أكبر من قبل النساء و على الرغم من استحقاقها الشرعية و الاعتراف داخل الحركة الأناركية نفسها , فإن « المرأة الحرة » قدمت نفسها في بعض الأحيان بوصفها منظمة دعم . (23) . و كان هناك تناقض أيضا في تحدي الأدوار التقليدية للأسرة . فقد كانت بعض نداءات الحث على العمل و الاستفادة من مرافق الرعاية النهارية للأطفال التي أقيمت في المصانع تشير إلى أن هذه « التضحية » من الواجب أن تكون مؤقتة . (24) .

و مع ذلك , فقد كانت اختلفت دعاية « المرأة الحرة » عن غيرها من المنظمات النسوية في إسبانيا في ذلك الوقت . و التي كانت في معظمها مجرد امتدادات نسوية لمنظمات حزبية مختلفة . و اقتصرت أدوارها على أن شجعت النساء على الإضطلاع بادوار الدعم التقليدية , و زينت لهن العمل في المصانع حتى يعود الرجال . (25) . و على النقيض من ذلك فإن « المرأة الحرة » كما كتبت ذات مرة تذكّر القراء :  » في خضم كل التضحيات , و مع الإرادة و المثابرة , فإننا نعمل لنجد أنفسنا , و نضع أنفسنا في الجو الذي كان , حتى يومنا هذا , قد انتفى علينا . . جو العمل الإجتماعي . (26) . و قد واصلت « المرأة الحرة » الجدال بأن تحرير المرأة لا يحتاج انتظار حتى تنتهي الحرب , و أن بإمكان النساء مساعدة أنفسهن و المساعدة في جهود الحرب من خلال الإصرار على المساواة و المشاركة الكاملة قدر الإمكان في الصراع الدائر . (27)

و قد شنت « المرأة الحرة » هجماتها على الأمية و التبعية الإقتصادية و الإستغلال الثقافي – الجنسي , و حتى في سياق الحرب . و حدد برنامجها مصادر تبعية المرأة في المجتمع الأسباني . و حسب وجهة نظر المنظمة , كان التحدي المباشر لهذه المشاكل هو ما سيسمح للنساء بالتغلب على هذه التبعية , و على المشاركة الكاملة في الحركة اللإشتراكية الثورية . و أن تنظيما من النساء و لأجل النساء هو وحده , بما لديه من اهتمام و مصلحة و قدرة , القادر على الإضطلاع بمثل هذا التحدي .

تغيير وعي المرأة الذاتي . .

تطلب التغلب على تبعية المرأة و جعل مشاركتها الكاملة في النضال الثوري أمرا ممكنا , ما هو أكثر من مجرد الهجوم على مصادر هذه التبعية . و تطلب الأمر تغيير وعي المرأة بذاتها بحيث يمكنها أن تبدأ في رؤية نفسه ممثلة مستقلة و فعالة على المسرح الإجتماعي .

و قد عكست برامج « المرأة الحرة » الإعتقاد أنه بسبب تبعية المرأة طويلة الأمد , فإن معظم النساء لم يكن على استعداد للعب دور مساو للرجال في الثورة الإشتراكية الجارية . و قد تطلب هذا الاستعداد انضمام النساء و مشاركتها في منظمة تحررية نسائية وظيفتها الأساسية تمكين القدرات الكامنة في المرأة . (28) . هذه المشاركة ستمكّن المرأة من ناحيتين . الأولى التغلب على نقص المعلومات الذي منعها من المشاركة الفعالة , و الثانية التغلب على انعدام الثقة في النفس الذي رافق تبعيتها . . على أنه بمجرد التغلب على هذه العقبة الثانية ستتمكن النساء من التصدي لمشكلة استقلال قضية تبعية المرأة داخل المجتمع و داخل الحركة الأناركية . و سيتمكن من النضال من أجل الإعتراف بشرعية هذه القضية داخل الحركة الأناركية ككل .

في البداية , تروي إحدى الناشطات :  » أردنا فقط أن نجعلهن أناركيات  » لكنهن سرعان ما أدركن أنه إذا كان على النساء أن يكن ناشطات أناركيات فسيكون عليهن التعامل مع قضاياهن الخاصة .  » عليهن التحرك للخروج من البيت  » و أن يأخذن أنفسهن بجدية كافية للإنخراط في الأنشطة النقابية . و بالتالي كان « رفع الوعي » جانبا أساسيا من برنامج « المرأة الحرة » , و قلما فقد المنظمون الفرصة لإشراك المرأة في العملية . فعن طريق النقاشات و مجموعات الحوار اعتادت النساء على سماع أصواتهن في العلن و تشجّعن على المشاركة و التغلب على التحفظ في الكلام . و قد أصبح الإعداد الإجتماعي preparación social عنصرا أساسيا في كل مشروع تعهدن به . فعلى سبيل المثال زارت مجموعات من نساء « المرأة الحرة » المصانع – ظاهريا من أجل دعم الحركة النقابية و تشجيع النساء على الإضطلاع بدور نشط , و في نفس الوقت إعطاء « القليل من الدروس » سواء حول الأناركية السينديكالية أو عن الحاجة لن يصير النساء أكثر نشاطا . و في برشلونة أنشأت « المجموعة النسائية الثقافية » Grupo Cultural Femenino « مراكز الرعاية النهارية الطائرة » guarderías volantes . حيث ذهبت نساءها إلى بيوت أخريات لرعاية أطفالهن ريثما يتسى للأمهات حضور اجتماعات الاتحاد . و إذ تعود الأم إلى المنزل , كانت الأحاديث تدور في الغالب حول الأناركية السينديكالية و الشيوعية التحررية و ما إلى ذلك .

و قد سمح وجود منظمة مستقلة للنساء بحرية تطوير برامج مستقلة تستهدف احتاجات محددة للنساء , و التصدي بشكل مباشر لمسألة التبعية . و كان الإصرار دائما أن تواجه المرأة نضالا مزدوجا إذ تحاول الانخراط في العمل الثوري و أن منظمة منفصلة مستقلة – و في نفس الوقت تعمل بشكل متناسق سائر أجزاء الحركة الأناركية السينديكالية – تستطيع أن توفر الإطار و توفير الدعم اللازم لمعالجة مسألة الثقة في النفس . على حد قول إحدى العضوات .

« إن رجال الثورة الذين يناضلون من أجل حريتهم يقاتلون ضد العالم الخارجي . ضد عالم يعارض الرغبة في الحرية و المساواة و العدالة الإجتماعية . أما المرأة الثورية فعلى النقيض , تحارب على مستويين , الأول : الكفاح من أجل حريتهن الخارجية , و هن في هذا النضال يتساوين بالرجال في نفس المثل العليا و يدعم أحدهم الآخر . لكن النساء أيضا تناضلن من أجل حريتهن الداخلية التي تمتع بها الرجال لقرون . و في هذا الصراع تناضل المرأة بدون حليف . »(29)

و قد جادل البعض في أيامنا هذه بأن المنظمات المستقلة ليست ضرورية من أجل « رفع الوعي » . فقد اقترحت (ويني بيرينيس) Wini Breines , أن أحد الدروس المستفادة من حركات الحقوق المدنية و مناهضة الحرب في الولايات المتحدة , هو أن تغيير وعي المرأة يمكن أن يبدأ حتى داخل المنظمات « المختلطة » التي تكرّس لتبعية المرأة. و هناك دراسات عديدة تشهد على صدق هذا الإدعاء . (30) . و من ناحية أخرى ردت (إستيل فريدمان) Estelle Freedman بأنه بدون بناء منظمات منفصلة للإناث فإن مثل هذا التغيير في الوعي قد يتبدد بسهولة . (32) . و على الرغم من أن نساء « المرأة الحرة » لم يقدمن حججهن بنفس مباشرة حجج « بناء منظمات الإناث » female institution building , فإن كثيرا من شواغلهن قد رددته نقاشاتهم المعاصرة . و من الواضح أنهن أيقنّ أن تغيير وعي النساء – الأمر الذي كان ضروريا لأي مشاركة في العمل الثوري الإشتراكي – لا يمكن تطويره و دعمه إلا في إطار منظمة تنشئها النساء و توجه للنساء , و تتناول شواغل النساء .

تحدي الحركة الأناركية

و أخيرا , و بالإضافة إلى تناول تجارب الحياة الخاصة بالمرأة , و توفير الإطار لوعي جديد بالذات , تحدّت « المرأة الحرة » التحيز ضد المرأة داخل المنظمات الأناركية . إذ نشأت كرد فعل لإدراك العضوات المؤسسات لعدم مبالاة الرجال داخل الحركة الأناركية للمشاكل التي تخص المرأة . (33) . بالإضافة لذلك فقد تحدّت « المرأة الحرة » المنظمات نفسها لأخذ عضواتهن من النساء على محمل الجد . أو كما أشارت إحدى الناشطات :  » إن الرجال أيضا قد لاحظوا أنه لم تكن هناك الكثير من النساء الناشطات . غير أن ذلك لم يزعجهم كثيرا . بل في الواقع إن كثيرا منهم كان سعيدا أن تكون رفيقته compañerita لا تعرف بقدر ما يعرف هو . و قد أزعجني ذلك كثيرا . و عمليا لقد تحولت إلى فيمينست متحمسة !! « . (34) . و كانت معارضة آخريات للتمييز , الذي مارسه الـ CNT على أساس الجنس , أقوى .  » هؤلاء القادمون من عهد سكان الكهوف و المتخفون في صورة أناركيين , هؤلاء الجبناء المسلحين جيدا , و الذين يطعنون من الخلف , هؤلاء « الشجعان » الذين يرفعون أصواتهم و يتعدّون بإيماءاتهم على النساء , يكشفون عن ألوانهم الفاشية الحقيقية , و هؤلاء يجب فضحهم « . (35)

و على الرغم من أن العديد من الرجال الأناركيين ربما قد تعهدوا بالمساواة بين الجنسين – و في بمجتمع قائم على المساواة في نهاية المطاف – إلا أن كثيرا من تعهداتهم كانت تنتهي عند مداخل النقابات أو عتبات البيوت . تنتقد إحدى النساء اللاتي ولدن و نشأن في بيوت أناركية هذا الأمر فتقول : » عندما كانت الأمور تصل إلى المنزل , لم نكن افضل من أي شخص آخر . . كان هناك الكثير من الكلام عن تحرير المرأة و الحب الحر و كل هذه الأمور . و تحدث الرجال من على المنصات حول هذا الموضوع , لكن في الواقع , تبنى عدد قليل جدا جدا نضال المرأة بإعتباره قضيته الخاصة في الممارسة العملية . . . . في بيوتهم نسوا كل شيء عن هذا الموضوع  » .(36).

تروي إحدى العضوات المؤسسات ل « المرأة الحرة » أنه في عام 1936 ، كانت قد سؤلت لحضور اجتماع في واحد من مكاتب الـ CNT . و قد أراد منها النقابيين المحليين تدريس كورسات مصغرة و المساعدة في « تحضير » العمال. « لكن هذا كان ضربا من المستحيل بسبب موقف بعض الرفاق، الين لا يأخذون النساء على محمل الجد. ظنوا أن ما جميع النساء في حاجة للقيام به هو الطهي و الخياطة… كلا. كان الأمر مستحيلا. و قلما جرؤت النساء على الكلام في هذا السياق « . (37). إذا لم تنتهي هذه الممارسات — و يبدأ الرجال الأناركيون في أخذ النساء و قضاياهن على محمل الجد — فلا أمل في نجاح أي استراتيجية أو برنامج أناركي، و لاسيما في جذب النساء. كانت هذه إحدى المجالات التي تبدو فيها ممارسة الحركة « غير متزامنة » مع نظريتها.

و كانت الحركة الأناركية السينديكالية الإسبانية تراعي , على سبيل المثال , الحاجة لـ « إعداد » الناس للمشاركة في النشاط الثوري . لكن في حالة المرأة كان هذا المنظور غالبا ما يُنسى . و كثيرا ما تم تجاهل النساء اللاتي حضرن النقاشات أو حلقات الدراسة . و في الواقع كانت السخرية هي الخبرة الشائعة التي حدت بعدد من النساء لتأسيس « المرأة الحرة » في المقام الأول . و من الممكن أن يكون التعليم غير النظامي أداة قوية جدا لتنمية الثقة بالنفس , لكن فقط عندما يُعامل المنخرطون في هذه العملية بإحترام . و في حالة فشل هذا الشرط تتحول تجمعات التعليم غير النظامي لساحة أخرى لممارسة المزيد من قمع النساء .

أنشئت « المرأة الحرة » كم قبل عدد من النساء اللاتي علمتهن التجربة أن هذه المراعات غير متوقعة قبل الحركة الأناركية المنظمة . و كان السبيل الوحيد لضمان أن تؤخذ النساء على محمل الجد هو تأسيس منظمة مستقلة يمكنها أن تتحدى تلك المواقف و السلوك , من موقف قوة . .و قد تكررت هذه التجارب و وثّقت من قبل نساء الحركات الثورية وصولا إلى يومنا هذا . و من المؤكد أن هذه المشكلة لا تقتصر على المجتمع الإسباني . و أنها قد تكون أكثر حدة في تلك التنظيمات التي تدّعي التمسك بـ « خط الحزب » . و في هذه الحالة الأخيرة غالبا ما تتفاقم التراتبية الذكورية على الإناث بسبب التسلسل الهرمي الذي تفرضه « المعرفة » الأيديولوجية . (38) .

و كان تحدي « المرأة الحرة » للحركة الأناركية تنظيميا بمعنى آخر . ففي أكتوبر 1938 , طالبت « المرأة الحرة » بالإعتراف بها كفرع مستقل للحركة التحررية . مكافئة لتنظيمات مثل FAI و FIJL .(39) و كان رد فعل الحركة معقدا . تذكر (ماري ناش ) Mary Nash , أن إقتراح النساء قد رفض على أساس أن منظمة خاصة للنساء ستضخ عنصرا من الشقاق و عدم المساواة داخل الحركة التحررية , و ستكون له عواقب سلبية على اهتمامات الطبقة العاملة . (40) . و يجب أن يكون التوازي , بين تجارب النساء في حركة الإقتراع في القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة , و الحركات السياسية المعاصرة , واضحا . و من الضروري أيضا ملاحظة التوازيات المؤلمة التى تعامل بها المرأة السوداء و نساء العالم الثالث و أعضاء الجماعات ذات الإحتياجات الخاصة . و كثيرا ما تم التعامل مع مشكلات كهذه داخل الحركة النسائية المعاصرة . (41) .

و قد حيرت هذه الاستجابة نساء « المرأة الحرة » . إذ رأين في منظمتهن مماثلا لتنظيم الشباب التحرري FIJL . و توقعن أن يتم الترحيب بأذرع مفتوحة . ولم يتفهمن أبدا لماذا تقبل حركة منظمة مستقلة في حالة و ترفض في أخرى . و كان رفض الاعتراف بـ « المرأة الحرة » – و الذي كان له تأثير في منع عضوات « المرأة الحرة » من الحضور على الرغم من حضورهن كعضوات في اتحادات الـ CNT – قد أكد التصور المبدئي لضرورة وجود تنظيم مستقل لمواجهة مثل هذه القضايا على أساس مستمر . (42)

على أن تحليلنا يمكن أن يقدم تفسيرا إضافيا . إذ أن الإدعاء بان منظمة مكرسة خصيصا لتلبية إحتياجات النساء غير ملائمة للحركة الأناركية يتناقض مع التزام الحركة الواضح بالعمل المباشر . و على وجه التحديد فإنه ينفى سياسة أن يستلهم التنظيم تجارب الفرد الحياتية و احتياجاته المتصورة . و إذا كانت التنظيمات مبنية على أساس من تجارب الناس الحياتية فإن لنا أن نتوقع أن التجارب المختلفة ستؤدي إلى منظمات مستقلة . كان قادة الحركة على استعداد لقبول هذا الاستنتاج عندما تعلق الأمر بالشباب , و قد دعموا بالفعل منظمة مستقلة للشباب . لكنهم كانوا غير مستعدين للقيام في حالة المرأة . لماذا ؟

الفرق الجوهري بين الحالتين كان مركزشاط التنظيم و ليس طبيعة أعضاءه . فعل الرغم من أن الـ FIJL قد كرست نفسها للشباب فقط إلا أن مشروعها كان هو المشروع الأناركي ذاته , على المديين القريب و البعيد , أما « المرأة الحرة » فكانت , كتنظيم مستقل للنساء , مختلفة . ليس فقط في كونها تكرّس نفسها على وجه التحديد للنساء , و لكن لأهافها المنفصلة المستقلة . كانت تحديا لهيمنة الذكور داخل الحركة الأناركية , على الأقل في المدى القريب , لخلخلة بنية و ممارسات المنظمات الأناركية القائمة . (43) .

فعلى سبيل المثال , في سنة 1937 ذهبت (مرسيدس كومابوسادا) Mercedes Comaposada زعيمة « المرأة الحرة » بصحبة (لوشيا سانشيز ساورنيل) Lucía Sanchez Saornil الأمينة الوطنية للتنظيم إلى (ماريانيت = ملريانو فيزكيز) Mariano Vazquez الأمين الوطني لـ CNT و القائد المؤثر في الحركة التحررية , لمناقشة الاعتراف بـ « المرأة الحرة » كمنظمة مستقلة في إطار الحركة . و بنص كلماتها :  » أوضحنا مرارا و تكرارا ما كنا نفعله : و أننا لا نسعى لسحب النساء بعيدا عن الـ CNT , بل في الحقيقة نحاول أن نخلق وضع يمكن من خلاله التعامل مع القضايا الخاصة بالنساء . بحيث يصبحن ناشطات فاعلات في الحركة التحررية .  » لكن في نهاية المطاف , فإن المشروع قد شكل تهديدا كبيرا . كما تتذكر من المناقشة .

و في النهاية قال  » حسنا , يمكنكن الحصول على كل ما تردن – بل و الملايين من البيزيتات من أجل التنظيم و التعليم إلخ – لأن خزينتنا ممتلئة , على شرط واحد , هو أن تعملن أيضا على القضايا التي تهمنا وليس فقط قضايا الاهتمام النسائي.  » عند هذا الحد هبّت (لوشيا) واقفة لتقول : » كلا , لأن هذا من شأنه أن يعيدنا مرة أخرى لنفس الوضع الذي بدأنا منه – السبب الذي من أجله بدأنا في إنشاء هذه المنظمة . الاستقلال أساسي , و إذا لم يسمحوا لنا به فسنفقد الهدف الأساسي للمنظمة  » .(44).

استنتاجات

و قد وافقت نساء « المرأة الحرة » بقية الأناركيين أن الإلتزام بالعمل المباشر يعني معارضة أشكال التنظيم الهرمي . لكنهن اخترن التركيز على العنصر الآخر من استراتيجية العمل المباشر . و الذي أطلقنا عليه مصطلح « النظام العفوي  » . فالناس تنظم أنفسها حول تلك القضايا التي تشكل مصدر قلق فوري لحياتهم , و سيفعلون ذلك دوما . و بمجرد أن يبدأوا في في إجراء التغييرات و يعترفون بقوتهم و قدراتهم , فسيصبحون أكثر « استعدادا » للمشاركة في أنشطة أخرى للتغيير الإجتماعي . و قد أصرت نساء « المراة الحرة » على أنه – على الأقل في حالة المرأة – فإن منظمة مستقلة قد تكون ضرورية لهذه المهمة .

و يبدو هذا المنظور مناسبا و بخاصة في الحالة الإسبانية . فاستراتيجية الـ CNT لم تمس نسبة كبيرة من النساء الإسبانيات بأي شكل من الأشكال . إذ لم تعمل نسبة كبيرة منهن في المصانع , و لم تجد النسبة الصغيرة من النساء العاملات وقتا للإنخراط في النضالات النقابية بسبب المسئوليات المنزلية . و من الملاحظ أيضا أن كثير من الرجال أيضا – أولئك الذين انتظموا في أعمال ليس لها نقابة – قد جرى استبعادهم من المشاركة الفعالة في الحركة الأناركية لأسباب مماثلة . . و من الواضح أن « المرأة الحرة » قد أوضحت من خلال حالة المرأة أن هناك مشكلة أعمق جذورا بالنسبة للتنظيم الثوري .

و قد وجدت النساء دعما لآراءهم في إطار التقاليد الأناركية . لكن دعوتهم لفصل النضال نبعت مما هو أبعد من مجرد الإلتزام بالعمل المباشر و تلبية احتياجات الناس على شروطهم . بل نبعت من تحليل الطبيعة الخاصة للمجتمع الإسباني و تأثير هذه الطبيعة على الحركة الأناركية . و قد أصرت « المرأة الحرة  » أنه – في إطار المجتمع الإسباني – لن يؤدي العمل المشترك بين المرأة و الرجل إلا إلى تدعيم الأنماط الحالية لهيمنة الذكور . كان النضال المنفصل لازما في هذه الحالة إذ كان السبيل الوحيد سواء لجعل تحضير المرأة ممكنا أو لتحدي التمييز على أساس الجنس الذي مارسه الرجال الأناركيون .

لم تكتف « المراة الحرة » بمحاولة تمكين المراة , لكنها شكّلت أيضا تحديا مستمرا للرجال الأناركيين . و ذكّرهم وجودها دائما بالحاجة إلى التغلب على هيمنة الذكور داخل الحركة . وقد وجهت معظم أنشطة « المرأة الحرة » للنساء , لكنها واجهت الرجال الأناركيين في مناسبات عديدة , منفردين أو في ظل الحركة الأناركية المنظمة . و حاولت إجبار الرجال (و النساء!) على الاعتراف بشرعية و أهمية القضايا التي تهم المرأة بصفة خاصة . و أعطى وجود المنظمة الدليل على القوة الإستقلالية الكامنة في النساء . و تشير درجة المعارضة التي أثارتها « المرأة الحرة  » داخل الحركة الأناركية إلى أن بعض أعضاء الـ CNT قد أخذ هذه القوة المحتملة على مأخذ الجد . (45). و قد دعم برنامج « المراة الحرة » و خبراتها الإدعاء بأن صحة المنطق القائل بأن ممارسة العمل المباشر قد تتطلب « تجميع قوات » بصورة منفصلة و مؤقتة . و كما رأين فغن نساء « المرأة الحرة » لم يعرّفن أنفسهن على أنهن مجموعة من النساء اللاتي يناضلن ضد الرجال , و لكن بإعتبار بإعتبارها واحدة من جماعات كثيرة كامنة تشارك في ائتلاف واسع من أجل التغيير الإجتماعي . (46) .

إن التغيير الثوري يتطلب تحالفا بين الرجال و النساء . لكن ما لم يكن هناك مساواة بين المتحالفين فليس هناك من ضمان لعملية المساواة الثورية , أو لمجتمع العدالة و المساواة . كما أن الالتزام بالعمل المباشر لا يعني سوى ذلك . و قد بدأت الفيمينست المعاصرات في الولايات المتحدة بالإعتراف بقضايا الفوارق الطبقية و العرقية و الثقافية , و لذلك من الممكن ألا يكون هناك عمل من أجل الآخر حتى في سياق منظمة ثورية . كما يجب على النشاط الثوري الاعتراف التجارب الحياتية . و قد أعربت « المرأة الحرة » عن أملها في جعل الوحدة ممكنة . و إذ آمنوا بتفسيراتهن للتقاليد الأناركية , فقد أصررن على أن استراتيجية تحقيق هذه الوحدة تتطلّب الإعتراف بالتنوع .

ملاحظات

1. See Colin Ward, Anarchy in Action (New York: Harper & Row, 1973), chaps. 2 and 4; also Daniel Guerin, Anarchism: From Theory to Practice, Introduction by Noam Chomsky, translated by Mary Klopper (New York: Monthly Review Press, 1970); and Peter Kropotkin, The Conquest of Bread (London: Chapman & Hall, 1913).

2. For a powerful contemporary example of the impact of such activity, see Wini Breines’ discussion of changing consciousness in the civil rights movement in the United States, “Personal Politics: The Roots of Women’s Liberation in the Civil Rights Movement and the New Left, by Sara Evans: A Review Essay,” Feminist Studies 5 (Fall 1979): 496-506.

3. A slightly different version of the following summary and analysis was originally developed in Kathryn Pyne Parsons and Martha A. Ackelsberg, “Anarchism and Feminism,” MS, 1978, Smith College, Northampton, Mass.

4. Matilde, interview with author, Barcelona, 16 Feb. 1979.

5. See, for example, the statement of the Zaragoza Congress of the Spanish movement of 1870, cited in Anselmo Lorenzo, El proletariado militante, 2 vols. (Toulouse: Editorial del Movimiento Libertario Español, CNT en Francia, 1947), 2: 17-18.

6. Mariano R. Vazquez, “Avance: Por la elevacibn de la mujer,” Solidaridad Obrera, 10 Oct. 1935, 4; see also Jose Alvarez Junco, La ideologia politica del anarquismo español, 1868-1910 (Madrid: Siglo Veintiuno Editores, 1976), 302 n. 73; and Kahos, “Mujeres, Emancipaos!” Acracia 2 (26 Nov. 1937): 4.

7. Federica Montseny, “Feminismo y humanismo,” La revista blanca 2 (1 Oct. 1924): 18-21; see also “Las mujeres y las elecciones inglesas,” ibid. 2 (15 Feb. 1924): 10-12.

8. Carmen Alcalde, La mujer en la Guerra civil española (Madrid: Editorial Cambio 16, n.d.), 176. See also Federica Montseny, “La mujer: problema del hombre,” in La revista blanca, 2, núm 89, February 1927; and Mary Nash, “Dos intelectuales anarquistas frente al problema de la mujer: Federica Montseny y Lucía Sanchez Saornil,” Convivium (Barcelona: Universidad de Barcelona, 1975), 74-86.

9. Igualdad Ocaña, interview with author, Hospitalet (Barcelona), 14 Feb. 1979.

10. Soledad Estorach, interview with author, Paris, 4 Jan. 1982.

11. Emma Goldman, “Woman Suffrage” (224) and “The Tragedy of Woman’s Emancipation” (211), both in Anarchism and Other Essays (New York: Dover Press, 1969).

12. Sheila Rowbotham, Women, Resistance, and Revolution (New York: Vintage Books, 1972), and Woman’s Consciousness, Man’s World (Hammondsworth, Middlesex, England: Pelican Books, 1973).

13. Ellen Carol DuBois, Feminism and Suffrage: The Emergence of an Independent Women’s Movement in America (Ithaca: Cornell University Press, 1978), 78-81, 164, 190-92, 201.

14. Suceso Portales, interview with author, Móstoles (Madrid), 29 June 1979. A similar story was reported with slight variations, by Mercedes Comaposada, Soledad Estorach, and others in interviews in Paris, January 1982. The analysis to follow relies heavily on interviews and conversations I have had with Spanish anarchist women who were engaged in these debates and activities at the time of the Civil War. The interviews were conducted in Spain and France during the spring of 1979, summer 1981, and winter of 1981-82.

15. Lucía Sanchez Saornil, “La cuestión femenina en nuestros medios, 5,” Solidaridad Obrera, 30 Oct. 1935, 2.

16. “‘Mujeres Libres’: La mujer ante el presente y futuro social,” in Sídero-metalurgía (Revista del sindicato de la Industria Sídero-metalúrgica de Barcelona) 5 (November 1937): 9.

17. Mary Nash, ed., “Mujeres Libres” España, 1936-39, Serie los libertarios (Barcelona: Tusquets editor, 1976), 21.

18. See, among others, Verena Stolcke, “Women’s Labours,” in Of Marriage and the Market, ed. Kate Young, Carol Wolkowitz, and Roslyn McCullagh (London: CSE Books, 1981); Jean Gardiner, “Political Economy of Domestic Labour in Capitalist Society,” in Dependence and Exploitation in Work and Marriage, ed. D.L. Barker and S. Allen (New York: Longman, 1976), 109-20; Sherry Ortner, “Is Female to Male as Nature is to Culture?” (67-88) and Michelle Zimbalist Rosaldo, “Women, Culture, and Society: A Theoretical Overview” (17-42), in Woman, Culture, and Society, ed. Michelle Zimbalist Rosaldo and Louise Lamphere (Stanford: Stanford University Press, 1974). For particular discussion of the impact of woman-only mothering, see Isaac Balbus, Marxism and Domination (Princeton: Princeton University Press, 1981); Nancy Chodorow, The Reproduction of Mothering: Psychoanalysis and the Sociology of Gender (Berkeley: University of California Press, 1978); Dorothy Dinnerstein, The Mermaid and the Minotaur: Sexual Arrangements and Human Malaise (New York: Harper & Row, 1976); and Adrienne Rich, Of Woman Born: Motherhood as Experience and Institution (New York: W.W. Nor-ton, 1976).

19. Amparo Poch y Gascón, “La autoridad en el amor y en la sociedad,” Solidaridad Obrera, 27 Sept. 1935, 1; see also her La vida sexual de la mujer, Cuadernos de cultura: Fisiologia e higiene, no. 4 (Valencia: 1932): 32.

20. Lucía Sanchez Saornil, “La cuestión femenina en nuestros medios, 4,” Solidaridad Obrera, 15 Oct. 1935, 2; for a contemporary parallel, see Rich.

21. For an example of an appeal, see Nash, “Mujeres Libres,” 186-87.

22. Poch y Gascón, La vida sexual, 10-26.

23. See Alcalde, 122-40; and Nash, “Mujeres Libres,” 76-78.

24. Nash, “Mujeres Libres,” 86, 96, 205-6.

25. See Alcalde, 142-43; “Estatutos de la Agrupación Mujeres Antifascistas,” Bernacalep, 26 May 1938 (document from Archivo de Servicios Documentales, Salamanca, Spain, Sección político-social de Madrid, Carpeta 159, Legajo 1520); and Mary Nash, “La mujer en las organisaciones de izquierda en España, 1931-1939” (Ph.D. diss., Universidad de Barcelona, 1977); chap. 9. Parallels with the experience of women in the United States, and elsewhere in Western Europe, during both the First and Second World Wars are, of course, evident. Similar experiences in the contemporary period have convinced many women of the necessity of separate organisations committed to women’s emancipation, which will not subordinate the needs of women to those of the men with whom they are, presumably engaged in joint struggle. See, for example, Margaret Cerrullo, “Autonomy and the Limits of Organisation: A Socialist-Feminist Response to Harry Boyte,” Socialist Review 9 (January-February 1979): 91-101; Sara Evans, Personal Politics: The Roots of Women’s Liberation in the Civil Rights Movement and the New Left (New York: Alfred A. Knopf, 1979); and Ellen Kay Trimberger, “Women in the Old and New Left: The Evolution of a Politics of Personal Life,” Feminist Studies 5 (Fall 1979): 432-50.

26. Cited in Alcalde, 154.

27. In this respect, Mujeres Libres’ position seems exactly to parallel the position of the anarchist movement with respect to the social revolution and the war more generally: the anarchists differed from the Communist party, for example, in insisting that social revolutionary gains need not await the end of the Civil War.

28. “Capacitation” is not, obviously, a normal English word. It does capture the sense of developing potential which is connoted by the Spanish capacitación. “Empowerment” is another possible translation.
29. Ilse, “La doble lucha de la mujer,” Mujeres Libres, 8 mes de la Revolución, cited in Nash, “The Debate over Feminism in the Spanish Anarchist Movement,” MS, Universidad de Barcelona, 1980.

30. Breines, 496-97, 504.

31. See, for example, Evans, on which Breines draws; also William Chafe, Women and Equality (New York: Oxford University Press, 1977); and Frances Fox Piven and Richard A. Cloward, Poor People’s Movements (New York: Vintage Books, 1979).

32. Estelle Freedman, “Separatism as Strategy: Female Institution Building and American Feminism, 1870-1930,” Feminist Studies 5 (Fall 1979): 514-15, 524-26.

33. For details on the early development of Mujeres Libres see Nash, “Mujeres Libres,” 12-16; Temma Kaplan, “Spanish Anarchism and Women’s Liberation,” Journal of Contemporary History 6 (1971): 101-10; and Kaplan, “Other Scenarios: Women and Spanish Anarchism,” in Becoming Visible: Women in European History, ed. Claudia R. Koonz and Renate Bridenthal (New York: Houghton Mifflin, 1977), 400-422.

34. Soledad Estorach, interview, Paris, 6 Jan. 1982. The word compañerita is the diminutive form of compañera, meaning “comrade,” or “companion.” In this context, it indicates an attitude of condescension on the part of the male.

35. Cited in Nash, “Mujeres Libres,” 101.

36. Azucena (Fernandez Saavedra) Barba, interview, Perpignan, France, 27 Dec. 1981.

37. Mercedes Comaposada, interview, Paris, 5 Jan. 1982.

38. Kathryn Pyne (Parsons) Addelson has found similar patterns, for example, in her study of a Chicago “marxist-leninist” organisation, Rising Up Angry. See also Evans; Trimberger; and Jane Alpert, Growing Up Underground (New York: Morrow, 1981).

39. The “libertarian movement” was another, more general, name for the anarcho-syndicalist movement. The term came into common usage only in 1937 and 38. The larger movement included within its ranks the CNT (the anarcho-syndicalist labour confederation), the FAI (the Iberian Anarchist Federation), and the FIJL (the youth organisation).

40. Nash, “Mujeres Libres,” 19.

41. On the issue of diversity within the contemporary women’s movement, see especially Audre Lorde, “Age, Race, Class, and Sex: Women Redefining Difference,” and “The Uses of Anger: Women Responding to Racism,” in Sister Outsider (Trumansburg, N.Y.: Crossing Press, 1984).

42. See Nash, Mujer y movimiento obrero en España, 1931-1939 (Barcelona: Editorial Fontamara, 1981), especially 99-106; and interviews with members of Mujeres Libres.

43. It should be noted that the Spanish anarchist movement had never been free of what might be termed “organisational fetishism.” The movement had often been split by controversy in earlier periods, and continues to be so today. A concern for “organisational loyalty,” then, was not unique to the opposition to Mujeres Libres. I wish to thank Paul Mattick, Molly Nolan, and other participants in the Study Group on Women in Advanced Industrial Societies of the Centre for European Studies, Harvard University, with whom I discussed these issues at a seminar on 9 May 1980.

44. Comaposada interview.

45. I am grateful to Donna Divine for clarifying this point for me.

46. Compare the debate over black power in the United States, especially Stokely Carmichael and Charles V. Hamilton, Black Power (New York: Random House, 1967); and Bayard Rustin, “Black Power and Coalition Politics,” Commentary 42 (September 1966): 35-40.

اللاسلطوية

أفكار برودون، باكونين، وكروبوتكين قد أهملت من قبل التاريخ، خصوصا في المنطقة العربية. لكن اليوم هناك تنامي للاهتمام بتلك الأفكار التحررية خصوصا مع فشل الاشتراكية السلطوية. إن تاريخ اللاسلطوية هو تاريخ مقاوم ضد السلطة، ضد اضطهاد الدولة، وضد استغلال الرأسمالية. في هذا النص يغطي سامح سعيد عبود تاريخ اللاسلطوية، أهدافها وممارستها ويتحدث عن مستقبل هذه الحركة. هذا الكتاب الصغير هو أساسي في التعرف على اللاسلطوية.

الشيوعية التحررية

الشيوعية التحررية

 » ليست الشيوعية التحررية مخططا لمجتمع المستقبل. إنها بالأحرى مجموعة من المبادئ لتقوم الطبقة العاملة بتطبيقها، وكل من هومستعد للعمل إلى جانبها، لتولي وإدارة القاعدة الاقتصادية للمجتمع بغرض إعادة تشكيله بما يتوافق مع العدالة الاجتماعية. فيما هي جماعية في الروح والطريقة توفر الشيوعية التحررية أكبر فرصة ممكنة للحاجات والطموحات الفردية. إنها ليست برنامج طوباوي، لكنها الوسيلة التي يمكن من خلالها بلوغ يوتوبيا الأناركية  »
اسحق بونتي

الشيوعية التحررية

 
     » ليست الشيوعية التحررية مخططا لمجتمع المستقبل. إنها بالأحرى مجموعة من المبادئ لتقوم الطبقة العاملة بتطبيقها، وكل من هومستعد للعمل إلى جانبها، لتولي وإدارة القاعدة الاقتصادية للمجتمع بغرض إعادة تشكيله بما يتوافق مع العدالة الاجتماعية. فيما هي جماعية في الروح والطريقة توفر الشيوعية التحررية أكبر فرصة ممكنة للحاجات والطموحات الفردية. إنها ليست برنامج طوباوي، لكنها الوسيلة التي يمكن من خلالها بلوغ يوتوبيا الأناركية « 
اسحق بونتي

تعيش المقاومة الشعبية المستقلة في تونس !

الاربعاء 19 كانون الثاني (يناير) 2011

مندوبين عن اتحادات الكونفدرالية الوطنية للشغل، القسم الفرنسي لجمعية العمال الدولية، اجتمعوا في مؤتمر اليوم مرحبين بالانتفاضة الشعبية في 14 كانون الثاني 2011 في تونس.
تعيش المقاومة الشعبية المستقلة في تونس !

الاربعاء 19 كانون الثاني (يناير) 2011

مندوبين عن اتحادات الكونفدرالية الوطنية للشغل، القسم الفرنسي لجمعية العمال الدولية، اجتمعوا في مؤتمر اليوم مرحبين بالانتفاضة الشعبية في 14 كانون الثاني 2011 في تونس.

تعيش المقاومة الشعبية المستقلة في تونس !

إن عمل الشعب في تونس هو إشارة قوية في النضال العالمي ضد الرأسمالية والدولة، إنه يظهر أن المقاومة يمكن أن تعمل بشكل مستقل ذاتيا (بأسلوب منظم ذاتيا من دون قادة أو أحزاب سياسية) لإسقاط أسوأ الدكتاتوريات. إننا نأمل أن يتوسع هذا النضال من أجل العدالة الاجتماعية والحرية، إننا نأمل أن العمال والشباب التونسي سوف يطوررون أدواتهم الخاصة في اتخاذ القرارات، بالرغم من كل محاولات السياسيين والإكراه الديني والانقسام الذي يمكن أن يحصل. فقط المقاومة المنظمة ذاتيا، والمستقلة ذاتيا للشعب المضطهد، الموحدة على منظور الصراع الطبقي يمكن أن تنجح في معارضة بربرية النظام.

تعيش الشيوعية التحررية ! ! نعيش جمعية العمال الدولية

الكونفدرالية الوطنية للشغل (فرنسا) جمعية العمال الدولية تولوز، 15 كانون الثاني، 2011 =============Que vive la résistance populaire autonome en Tunisie !

Les délégués des syndicats de la CNT-AIT française réunis ce jour à Toulouse saluent le soulèvement populaire du 14 janvier 2011 en Tunisie.

L’action de la population tunisienne est un signal fort dans la lutte mondiale contre le capitalisme et l’Etat ; elle nous montre que la résistance autonome des exploités peut faire tomber les pires dictatures.

Nous souhaitons que cette lutte pour la justice sociale et l’émancipation puisse se développer, que les travailleurs et la jeunesse tunisienne puissent développer leurs propres moyens de décisions, malgré toutes les tentatives de récupérations et de divisions politiciennes ou religieuses qui risquent d’avoir lieu.

Seule la résistance autonome des exploités unis dans une perspective de lutte de classe pourra s’opposer victorieusement à la barbarie du système.

Vive le communisme libertaire !

Vive l’Association Internationale des Travailleurs !

Toulouse, le 15 janvier 2011

Contre le capitalisme ضد الرأسمالية

ننشر هنا هذه المقالة التي وصلت إلى البديل اليوم بالذات (14-12-2008) من رفاقنا في CNT AIT في فرنسا. بكل أسف لا نستطيع ترجمتها إلى العربية. في خطوطها العريضة، في هذه المقال يبين الكاتب أن النضال من شأنه تحقيق إنتصارنا على الرأسمالية, وهو ينتقد بشدة الموقف الهزائمي الذي يتخذه اليوم جزء كبير من اليسار. ففي لبنان أكثر من أي بلد آخر نسمع كل يوم ردوداً من نوع: لا نفع من التظاهر، لا نفع من الكتابة، لا نفع من التنظيم.. سوف تفعل الحكومة ما تشاء شئنا أم أبينا.. والفساد لا حول ولا قوة.. أكثر من هذا بعض اليسار اللبناني يصرح اليوم دون حياء أن الرأسمالية طريق مرور لا بد منه..

في هذا المقال يفسر الكاتب الرفيق كيف أن العمال لا يستطيعون الإنتظار طويلا.. بل سيطفح الكيل ذات يوم وهذا حتمي.. وهو يعطي مثال رب العمل الهندي الذي تمَّ سحلُهُ في الأيام الأخيرة على يد عماله. وما يحصل في اليونان وأيطاليا وفرنسا هي بوادر لثورة جديدة لأن العمال والكادحين لن يقبلوا بإستغلالهم. في لبنان اليوم تكثر الشركات الأجنبية التي تستثمر في البلد (الله يكتر خيرها) ولكن العقود التي تعقدها مع العمال (غالبيتهم من حاملي الشهادات الجامعية) في السربرماركات والقهاوي (ستاربكس) هي عقود مؤقتة والأجور هشة وكل ذلك يتم تحت شروط قاسية تطلب المردود والتيقظ والنشاط الدائمين، وهي معايير جديدة لدين جديد إسمه الماركتينغ والسوق الحرة والدينامية وغير ذلك من التفاهات.. لو لم نكن ضد الستالينية بعمق لكنا ترحمنا على عهد هذا الشيوعي المزيف… وشبابنا يضطر القبول بهذه الشروط، لا سيما وأن أبواب الخليج بدأت تقفل,

اليسار اللبناني أمام كل هذا لا ينطق ببنت شفة والمثال الأبرز الحزب الشيوعي اللبناني الذي يتلطى خلف نضالاته الكلامية ضد الصهونية والأمبرليالية (ما عيرها) وبوش إلى جانب بلد الحريات سوريا البطلة.

البديل الشيوعي التحرري- لبنان

ننشر هنا هذه المقالة التي وصلت إلى البديل اليوم بالذات (14-12-2008) من رفاقنا في CNT AIT في فرنسا. بكل أسف لا نستطيع ترجمتها إلى العربية. في خطوطها العريضة، في هذه المقال يبين الكاتب أن النضال من شأنه تحقيق إنتصارنا على الرأسمالية, وهو ينتقد بشدة الموقف الهزائمي الذي يتخذه اليوم جزء كبير من اليسار. ففي لبنان أكثر من أي بلد آخر نسمع كل يوم ردوداً من نوع: لا نفع من التظاهر، لا نفع من الكتابة، لا نفع من التنظيم.. سوف تفعل الحكومة ما تشاء شئنا أم أبينا.. والفساد لا حول ولا قوة..  أكثر من هذا بعض اليسار اللبناني يصرح اليوم دون حياء أن الرأسمالية طريق مرور لا بد منه..

في هذا المقال يفسر الكاتب الرفيق كيف أن العمال لا يستطيعون الإنتظار طويلا.. بل سيطفح الكيل ذات يوم وهذا حتمي.. وهو يعطي مثال رب العمل الهندي الذي تمَّ سحلُهُ في الأيام الأخيرة على يد عماله. وما يحصل في اليونان وأيطاليا وفرنسا هي بوادر لثورة جديدة لأن العمال والكادحين لن يقبلوا بإستغلالهم. في لبنان اليوم تكثر الشركات الأجنبية التي تستثمر في البلد (الله يكتر خيرها) ولكن العقود التي تعقدها مع العمال (غالبيتهم من حاملي الشهادات الجامعية) في السربرماركات والقهاوي (ستاربكس) هي عقود مؤقتة والأجور هشة وكل ذلك يتم تحت شروط قاسية تطلب المردود والتيقظ  والنشاط الدائمين، وهي معايير جديدة لدين جديد إسمه الماركتينغ والسوق الحرة والدينامية وغير ذلك من التفاهات.. لو لم نكن ضد الستالينية بعمق لكنا ترحمنا على عهد هذا الشيوعي المزيف… وشبابنا يضطر القبول بهذه الشروط، لا سيما وأن أبواب الخليج بدأت تقفل,

اليسار اللبناني أمام كل هذا لا ينطق ببنت شفة والمثال الأبرز الحزب الشيوعي اللبناني الذي يتلطى خلف نضالاته الكلامية ضد الصهونية والأمبرليالية (ما عيرها) وبوش إلى جانب بلد الحريات سوريا البطلة.

                                         البديل الشيوعي التحرري- لبنان       

Nous ne voulons pas payer pour leurs crises Vous pouvez regarder les infos de la télé, lire les journaux : les luttes
sociales dans le monde ne font pas la première page, ni la deuxième.
Y compris dans le milieu dit militant, les négateurs sont à l’oeuvre
et les défaitistes sont à leur travail. Il y a ceux qui nous promettent
qu’ils ne se passera rien et ceux qui voient systématiquement la main de
la
CIA (ou le risque néofasciste, au choix) derrière le moindre mouvement
de collégiens. Rares sont ceux qui tentent de déchiffrer, dans ce monde
en plein chamboulement, les signes d’une résistance sociale.

Pourtant, ce travail est d’importance. Car le capitalisme en déroute a
besoin de temps pour se refaire une santé. Pour lui, il est primordial que
tous ceux qui se battent sur cette planète soient inaudibles, car rien
n’est plus contagieux que l’exemple de mouvements populaires : c’est
pourquoi les médias ne feront jamais ce travail d’information pour nous,
ni les politiciens. Certes, on peut déduire de la victoire annoncée
d’Obama aux USA [article écrit fin octobre 2008], de la montée dans les
sondages de Besançenot, qu’il se passe quelque chose sur cette planète qui
ressemblerait à une inflexion idéologique, mais ces éléments d’infos
largement affichés dans les médias ne le sont pas pour rien. L’un comme
l’autre, ces politiciens et leurs semblables, s’ils ont en commun de se
présenter comme porteurs d’espoirs, sont avant tout des pions de la
stratégie de la bourgeoisie qui consiste à temporiser, à nous faire nous
promener d’une illusion à une autre, à éviter tout passage des masses à
l’action. Et cela se comprend car…

QUAND LES OUVRIERS SE BATTENT, LES PATRONS TRINQUENT

Depuis des mois, les USA font les gros titres de l’info. Mais, bien peu de
lignes sont consacrées à la grève massive chez Boeing ! Pourtant, le géant
mondial de l’aéronautique est depuis le 6 septembre à ce jour (1er
novembre) paralysé par une grève votée par 87 % de ses 27 000 ouvriers
mécaniciens. Le syndicat des mécaniciens, l’International association of
machinists and aerospace workers (IAM) exige des augmentations salariales
de 13 % sur une durée de contrat de trois ans et refuse le recours de
Boeing à la sous-traitance. La direction de la firme de Chicago ne veut
pas aller au-delà d’une augmentation de 11 %, sans tenir compte de primes
diverses. L’IAM n’est certainement pas révolutionnaire. Mais elle n’a pas
hésité à mener une grève dure. Et sa base est motivée à faire cracher le
morceau au patronat. En tout cas, la grève coûte cher à Boeing, et ça,
c’est déjà positif : son bénéfice est tombé au troisième trimestre à 685
millions de dollars, soit 96 cents par action, contre 1,1 milliard (1,44
dollar) un an plus tôt. Les analystes estiment que chaque jour de grève
représente 100 millions de dollars de chiffre d’affaires perdus.

Autre exemple de réaction ouvrière à une pression insupportable : en Inde.
Bien que ce pays soit traversé par une multitude de conflits de classe,
jamais une information globale n’est donnée par nos médias. C’est à
travers ce qui est présenté comme un fait divers que l’on peut apprécier
la température sociale. Elle a l’air chaude. Le 22 septembre dernier le
conflit social affectant une entreprise de la banlieue industrielle de New
Dehli a tourné à l’émeute. Le PDG a été lynché par 200 anciens employés
furieux d’avoir été licenciés et touchés dans leur dignité. Ses
ex-salariés d’une filiale indienne de l’équipementier automobile italien
Graziano Transmissioni India avaient été conviés par leur ancien patron à
une réunion de conciliation. En fait de conciliation, le patron demandait
à chacun une lettre d’excuses. Le comble de l’insolence. Furieux, les
travailleurs rassemblés devant l’usine s’y sont engouffrés lorsque les
grilles se sont entrouvertes pour laisser passer une voiture. La foule a
détruit les automobiles stationnées dans le parking, enfoncé les vigiles
et frappé le PDG. Les heurts ont fait, en tout, un mort (le patron) et une
quarantaine de blessés dont vingt-trois ont été hospitalisés en soins
intensifs. Rendu probablement prudent par la vigueur de la réaction, le
ministère indien du travail a déclaré qu’il conseillait aux patrons de ne
pas trop exaspérer leurs exploités… On ne sait jamais en effet…

ET QUAND LA VAGUE MONTE, LES CRÉTINS VOIENT DU CALME PLAT

Ainsi donc d’un bout à l’autre de la terre des ouvriers se battent,
passent à l’offensive, infligent à leurs chefs pleins de morgue des pertes
physiques et matérielles considérables. Mais nos vieux gauchistes
continuent à tenter de bercer le bon peuple sur l’air de “inutile de faire
quoi que ce soit, de toute façon, c’est perdu d’avance”. Ainsi, l’un d’eux
écrit : “Bref, il n’y aura ni chute finale du système, ni lutte finale qui
l’abattra. Après une bonne purge dans les circuits financiers, … des
restructurations dans les milieux financiers, les choses vont redevenir
comme avant. L’Etat se retirera peu à peu de l’économique… vont sagement
retrouver leur rôle (rappelezvous mai 68 !)… en préparant les prochaines
élections et… en attendant la prochaine crise”. Ce qui n’a d’ailleurs pas
empêché l’intéressé d’être un pilier de ces organisations pendant des
années… mais, bon, on est bien obligé de les critiquer un peu maintenant,
pour tenter d’être crédible !

Bref, ce à quoi nous assistons dans ce pays, du grand silence des
syndicats jusqu’aux discours les plus creux, n’est pas autre chose que la
tentative de provoquer le découragement de tous ceux et celles qui,
aujourd’hui, sentent que c’est le moment de porter des coups de boutoirs à
un système qui trébuche.

Pas de perspective de lutte ? Plus près de nous encore, en Grèce, voici,
transmis par des copains de là-bas, ce qui s’est passé le 21 octobre
dernier : “La réponse de la population grecque à la crise sociale fut déjà
immédiate l’année passée, de grandes manifestations ont eu lieu et
beaucoup d’anarchistes y ont participés activement. Cette année la lutte
continue. Le 21 octobre grève des services publics et privés, … les
transports publics ne fonctionnent que pour permettre de se rendre à la
manifestation et les hôpitaux acceptent seulement des cas d’urgence. Les
couches moyennes ellesmêmes se sont mises en grève le 22 octobre, sous le
slogan “On ferme pour qu’ils ne nous ferment pas”.La manifestation, qui a
eu lieu le 21 octobre, a attiré beaucoup de monde, même les retraités, qui
sont tellement touchés par la crise. La présence des lycéennes et des
collégiennes sous le panneau “C’est pas les livres, c’est pas les notes,
ce qu’ils nous volent c’est notre vie” était dynamique, 150 lycées et
collèges sont en grève depuis le début d’octobre. Les étudiants et les
ouvriers étaient également très vindicatifs. La manif commence et des
anarchistes entrent dans une banque, qui normalement devait être en grève,
ils font sortir tout le monde et ensuite ils détruisent les ordinateurs,
l’ATM, les vitrines et ils y jettent un cocktail molotof, la réaction des
jeunes qui étaient dehors, étaient assez encourageante, ils criaient
contre les briseurs de grève et plusieurs d’entre eux stimulaient les
anarchistes à sortir l’argent et à le distribuer”.

En Italie, fait symptomatique, c’est autour de ce même mot d’ordre “Nous
ne voulons pas payer leurcrise”, que grandit un énorme mouvement de
masse, ce qui fait écrire à un internaute sur le forum de la CNT-AIT Caen
: “Ce qui se passe en Italie est très important. Cela rappelle ce qui a
été fait en France lors du mouvement anti CPE. Comme en France, il y a une
très grosse mobilisation nationale, toutes les villes sont touchées par
des mouvements, des grèves et des occupations. Il y a dans ces
manifestations non seulement des étudiants et des lycéens, mais aussi des
professeurs et apparemment des gens qui n’appartiennent pas à l’éducation
mais sont solidaires avec ce mouvement.

D’après ce que j’ai pu lire en italien, et de ce que j’ai pu comprendre,
s’organisent des meetings ou des centaines d’étudiants discutent et
débattent pour savoir comment développer la mobilisation. Ces assemblées
ont lieu dans des endroits publics et sont ouvertes à tous. Bien sûr ce
mouvement se situe dans un contexte différent de la France de 2006, à
savoir qu’outre la grosse attaque qui est menée (réduction massive de
financement de l’éducation, réduction massive du personnel, on parle de 87
000 suppressions de postes) il y a tout le poids de la crise financière
qui s’est invitée. Beaucoup de manifestants ont scandé “Nous ne voulons
pas payer la crise”. La jeune génération est dans la rue, inquiète de son
avenir, et il est encore plus sombre avec les perspectives de récession
qui sont devant nous. Ce mouvement a été très peu médiatisé en France. En
fait la bourgeoisie française a peur d’en faire la publicité et que cela
réveille les souvenirs du printemps 2006. Depuis 2003 les ouvriers
reprennent une dynamique mondiale de luttes ; dans le contexte de crise
actuelle, ces luttes vont se développer. On est encore loin de la
révolution, mais toutes ces luttes de résistance contre les mesures que
vont de plus en plus prendre tous les Etats du monde sont nécessaires pour
que se développe la conscience que ce système est pourri, qu’il ne peut
plus rien apporter et qu’il faut le détruire.”

Alors, les amis, ne baissons pas les bras. Si chacun prend ses
responsabilités, non seulement nous ne payerons pas leur crise mais eux
payeront pour leurs crimes. Haut les coeurs !

J.-C.

                                                                

[MAROC] العطل الصيفية في المغرب: الحلم…حقا ؟

تعتزمون، هذا الصيف، قضاء عطلتكم في المغرب: شواطئه، قراه الصغيرة الجذابة، اطعمته الوافرة، رفاهية العيش، مهرجانات الفرسان. بكلمة واحدة: الحلم!

لكن بالنسبة للمغاربة انفسهم تختلف الصورة تماما. ان زخرف البطاقة البريدية يخفي في ثناياه كابوسا مرعبا:

تعتزمون، هذا الصيف، قضاء عطلتكم في المغرب: شواطئه، قراه الصغيرة الجذابة، اطعمته الوافرة، رفاهية العيش، مهرجانات الفرسان. بكلمة واحدة: الحلم!

لكن بالنسبة للمغاربة انفسهم تختلف الصورة تماما. ان زخرف البطاقة البريدية يخفي في ثناياه كابوسا مرعبا:

في الجنوب يبقي داخل البلاد محاصرا بالكامل، دون طرقات او بنى تحتية اساسية كالطرقات، المستشفايات، الخ… لانهم تجرؤواعلى التعبيرعن غضبهم، في يناير ????، و طالبوا ان تلقى مطالبهم آذانا صاغية لدى السلطات المعنية، تعرض سكان  » بومالن دادس » لقمع فظيع: تعرضت مظاهرة سلمية مؤلفة من مئات من المواطنين لمعاقبة همجية من قبل الشرطة، وحُكم على عشرة متظاهرين بالسجن لمدة ?? عاما، في غياب اي دليل ادانة! هذا الحكم كان جائرا لدرجة ان محكمة الاستئناف نفسها اضطرت لاطلاق سراحهم مع انهم مُدانون شكلا! ما زالت حرية الرأي و العبير مقموعة بشدة: احد مستعملي الانترنت الذي انشأ مدونة الكترونية باسْم شقيق الملك – اعجابا به – تم توقيفه و سجنه لمدة ثلاث سنوات! لانهم تجرؤوا على المطالبة بتحسين وضعهم الدراسي في الرابع عشر من شهر ايار الفائت، تعرض طلاب مراكش لضرب مبرّح من قبل قوى الامن، حتى ان متظاهرا رُمي من الطابق الرابع من قبل الشرطة. انه حاليا في غيبوبة عميقة. ثمانية عشر طالبا اوقفوا، سُجنوا و تعرضوا للتعذيب. انهم حاليا مضربون عن الطعام بهدف إخلاء سبيلهم. المدينة المرفئية الصغيرة  » سيدي إفني » (????? نسمة)، المشهورة بشواطئها، تم حرفيا اقتحامها من قبل ???? شرطي تساندهم الطائرات المروحية، و ذلك لأن عددا من الشباب العاطلين عن العمل نصبوا خيما على مدخل المرفأ منددين بالفقر و مطالبين بالحصول على عمل. لقد سقط ?? جريحا حسب المصادر الرسمية، جمعيات الدفاع عن حقوق الانسان تحدثت من جهتها عن سقوط ايضا عدد من القتلى، و قد تم اعتقال اكثر من ??? شخص. هذا المغرب ، المغرب الحقيقي، لا يتكلمون عنه لا في التلفاز و لا في وسائل الاعلام… ليس المغرب جنة كما يُصوّر في البطاقة البريدية التي يسعون الى بيعها لنا. انه َمَلكية مطلقة بتفويض إلَهي، حيث يحكم ملك مطلق محاط ببورجوازية جشعة لا تأبه اذا مات الشعب من الجوع و البؤس. قضاء العطل في المغرب هو تواطؤ و مشاركة في الجرم! ادعموا نضالات الشعب المغربي من اجل الحرية و الكرامة. CNT (الكنفدرالية الوطنية للعمل) – AIT (رابطة العمال الدولية) contact@cnt-ait.info http://cnt-ait.info